نجيب عصام يماني
فماذا بعد الحق إلا الضلال...؟!
أقدّر آراء الشيخ السدلان الفقهية المتقدمة والمناسبة للعصر، وفي مقابلته الأخيرة لجريدة «الوقت» البحرينية دليل على تغير خطابه وانفتاحه المحمود، وليتسع قلبه لملاحظتي على قوله إن من حق الدول الغربية أن ترفض الحجاب ومن حقها أن تمنعه، فهذه العبارة تحمل بين طيّاتها منزلقاً سيّئاً لا يجمل ولا يكمل ولا ينبغي لأحد من عامة الناس الوقوع في وخمه، فضلاً عن أهل العلم والفتوى. فإن الوجه الآخر لعملة هذه العبارة هو القول بأنه: من الحق رفض شرع الله. ولا يقول بهذا أحد من الناس، فإنه أمر مستقبح ممقوت في شرع الله. فشرع الله هو الحق، وما دونه هو الباطل. وهو كما قال تعالى: ((فماذا بعد الحق إلاّ الضلال)). وشرع الله أزلي أبدي، وهو الحق في كل مكان وزمان سواء كان في الدول الإسلامية أو غيرها. في عهد رسول الله أو قبله أو بعده إلى قيام الساعة. وما دونه فهو الباطل. وليس من الحق أبداً لأي كائن على وجه الأرض، أن يرفض شرع الله وأحكامه. وإن وقع مثل هذا الرفض، سواء كان من قبل الأفراد أو الجماعات، أو الحكومات فإن هذا الرفض لا يكون من باب الحق، ولا يُقال لفاعله أنه له هذا الحق. بل هو من باب الزيغ والجهل والضلال. ولذلك يقول الحق في مثل هذا المقام: ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)). من باب المشيئة وليس الحق، فكان على الشيخ السدلان أن يترفّع بالحق وفضائله عن لوثات وأوخام الزيغ والضلال، فلا ينسب هذا الفعل القبيح وهو رد شرع الله إلى صفة الحق، بل يرجعه لأصله ولفاعله, فيقول للدول الغربية اتخاذ ما شاءت من الأحكام وتطبيقها في بلدانها، حقاً كانت هذه الأحكام أم باطلاً وهذه العبارة أقرب إلى الحق والصواب. فإن القول بأن فلاناً من الناس له الحق في فعل شيء من الأشياء معناه أن في فعله هذا حقا مكتسبا من شرع الله. لذلك عرّف الكفوي في (الكليات312) الحق بأنه: (الثابت، لأنه نقيض الباطل المعدوم). وكل ما خلا شرع الله فهو الباطل المعدوم فليس ثمة حق لأي كائن ما كان رفض شرع الله. وإنما للناس أجمعين أن يتخذوا ما شاءوا من الأحكام والعقائد، حقاً كانت أم باطلاً. كما تطرّق الشيخ السدلان إلى تعدّد الزوجات للرجل غير المقتدر وأن الفقير الذي يعدد قد تجرأ على أحكام الإسلام ولا بد من إيجاد نظام للتعدد للتأكّد من قدرة الرجل المالية. يريد الشيخ أن يضع شروطاً للتعدّد رغم أن التعدّد ليس فيه جرح لمشاعر المرأة أو هدر لكرامتها، فقد كان أشرف نساء العالمين وأفضلهن من أمهات المؤمنين والصحابيات يعشن في كنف التعدّد مصانة مشاعرهن وحقوقهن وكرامتهن. فليس من شروط النكاح وأركانه أن يكون الرجل موسراً وهذا الشرط فيه معاني التقديم بالرأي والهوى والتشهّي بين يدي المشرّع الحكيم وكل ما لم يأت به الشرع من شروط لصحة العقد فإنه يكون لغواً ظاهره السقط والبطلان، علاوة أن اشتراط الغنى في عقد النكاح يعارض ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وعامة الصحابة والتابعين من الفقر والحاجة مع ذلك كانوا على أعلى طرفي التعدّد ويعارضه قوله تعالى ((إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله)). فلم يجعل الله الثراء شرطاً لصحة عقود الأنكحة، ويعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: «إن جاءكم من ترتضون دينه وخلقه فزوّجوه» وليس ممن ترتضون من هوامير الأسهم ومُلاّك الأرصدة، بل إن الفقهاء يذكرون الاستحباب والندب بل الوجوب إن خاف الوقوع في الرذيلة فله الاستدانة لغرض النكاح ويذكرون ما تكفّل الله به من سداد ديون النكاح والجهاد وكتابة الرقيق للعتق لقوله عليه الصلاة والسلام: « ثلاث حق على الله تعالى عونهم؛ المكاتب الذي يريد الأداء والمناكح الذي يريد العفاف والمجاهد في سبيل الله». ويعارضه قوله عليه الصلاة والسلام للصحابي الذي رغب في نكاح امرأة وليس معه شيء من مهرها: «ألتمس ولو خاتماً من حديد» فلم يجد هذا الصحابي حتى خاتماً من حديد فزوّجه الرسول بما معه من القرآن يعلّمها إياه فيكون مهراً لها.
ومن هنا استدل الفقهاء على أنه ليس من شرط المهر أن يكون مالاً بل يصح النكاح بإسداء منفعة للمرأة. ان هذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة من أنه ليس مما وضعه الشرع الحكيم من شروط لصحة الأنكحة وما لم يأت به الشرع لا حُجّة به على الناس بل هو لغو، فالأفضلية في النكاح عند الجمهور للتعدّد لقوله تعالى: ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنّى وثُلاث ورُبـاع)). ومن لا يستطيع أن يعدل فعليه بالواحدة والعدل المطلوب هو النفقة والكسوة وكل ما يدخل تحت قدرة المكلّف دون ميل القلب فهذا غير مُؤاخذ عليه. مؤيّداًَ فضيلته في مناداته بعدم المبالغة في العزل بين الرجال والنساء وأن الحاجة تستدعي إلى الاختلاط في القطاعات الصحية وأسماه بالاختلاط النظيف، وهذه دعوة لتطبيق الاختلاط في قطاعات أخرى نحتاج فيها إلى المرأة، وأن من يقول بغير ذلك فهو من التشدّد غير المبرّر، ومرحباً بالمزيد من هذه الآراء التي تتفق وروح الإسلام السمحة.
فاكــس: 6975040 - nyamanie@hotmail.com