المستشرقون العرب
ادوارد سعيد قدم تنظيراً مفيــــــداً حول الاستشراق (1979) وفكك الصيغ المختلفة في التمييز بين الشرق والغرب، وقال بان بناء الشخصية الشرقية في الادبيات الغربية، ارتبط دائماً بالمصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية.
المعروف ان صاحب الاستشراق، اهتم بالممارسات الكلاسيكية للمملكة المتحدة وفرنســا، ومـــوقفها من الاسلام في شمــــال افريقيا والشـــرق الاوسط، واعتمادها فكرة التفوق الغربي، وانحطاط ورجعيــــة الشــــــرق،
وتناول دخـول امريكا الى المشروع الاوروبي ، في الاعمال الأدبية والعلمية والسينمائية المؤكدة على همجية الافكار الشرقية، وانها جـــــامدة وغير قابلة للتغيير الذاتي او مؤهلة للابداع والابتكار، بل ولا تستطيع اصلاح اخطائها او معرفتها، الا بمساعدة العقول الغربية، وسعيد اعتبر ان الاستشراق يفترض شكلاً من اشكال التشابه الكاذب بين الثقـــــافات، ويحكم على المختلف وكأنه جزء من الثقـــــافة الغربية، دون النظر الى ظروفه وخلفياته، ويتعامل مع انطباعاته حول الشرق باعتبارها حقائق. واضيف بأن كل الملاحظات الغربية في الوقت الحالي، وان كانت سليمة في جزء منها، لا تخرج عن هذا الفهم، سواء كان موضوعها المرأة وحقوقها، او التطبيقـات الدينية في المجتمعات الاسلامية، او اسلوب حياة النخب في الخليـــــج، وهنــاك استشــراق عربي -ان جــــاز التعبير- يمارس ضد الدول الخليجية ، واجد احياناً -وهو امر يدعو للأسف- بأن الغربي اكثر فهماً للخليجي من غيره، وبعض العرب يقفون خلف الصورة المشوهة للشرقي او الخليجي، ويسوقون لها في المناسبات الغربية والعربية.
الكلام المذكور لايلغي حقيقة التحامل الغربي ومغالطاته الكبيرة، وذكر لانس بينيت في كتابه: الاخبار وسياسة التضليل (2001) بأن الاعلام الامريكي لا يمارس نقلاً نزيهاً او نظيفاً للحقائق، وانه قد يتأثر بمواقف تتجاوز السياسة التحريرية للمؤسسة الصحــفية او الاعلامية، والانتقائية قاعدة فيه وليست استثناء، وكتب بان الصحافة الامريكية تهتـــم بالمشاكـــل ولا تنــاقش اسبــــابها، وتختصر الدول في القيادات السياسية، او ما اسماه مجازاً بـ" الشخصنة"، والمسألة الاخيرة مارستها امريكا مع عراق صدام، وقد تنشر التفسيرات الخاطئة عمداً لاسباب اقتصادية او سياسية، و ربما تاجرت بمخاوف الناس والتوافه، اذا وجدت ما يعززها في الذاكرة الامريكية، او اقتنع بها الجمهور، بالذات وان الصحافة الامريكية، في رأي المهتمين، ركزت على اخبار المشاهير والجرائم والكوارث، واهملت السياسة الدوليــــة، في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، ولــم تلتفت لها إلا بعد 11 سبتمبر، ويقول جــونثان كويتني في مـــؤلفه: اعداء بلا حدود (1986) بأن فقر الاخبار الدولية في الصحــــــافة الامريكية، في ذلك الوقت، سببه جهل المراسلين باللغات المحلية لاماكن الاخبار، واستسلامهم لتقارير السفارات.
ثم ان الاستشراق ليس خاصا بالشـــرق دائماً، فقد وظفته بريطانيا وتحديداً جريدة الغارديان البريطانية مع اسبانيا، و من بــــاب العلم فالجريدة ولـــدت اولاً في مدينة مانشيستر في الشمال البريطاني سنة 1821، و سميت في بداياتها بمانشيستر غــارديان، وتصنف بانها يسارية، وتلتزم مبـــدأ، لست متــــأكداً من صدقه، يعتبر الرأي حراً والحقائق مقدسة لا يمكن التلاعب بها، والمبــــدأ وضحه تشــــارلز سكوت، اول رئيس تحــــرير للغارديان ( 1872/1929) في سنة 1921، والغارديان توزع ثلاثمئة الف وتسع وسبعين نسخة يومياً، طبقاً لاحصاءات 2003، وتصدر باسم الابزورفر في يوم الأحد، و الثانية كانت جريدة مستقلة قبل اندماجها بالغارديان.
مرة اخرى، الغارديان استرجعت في تقارير مراسلها من مدريد غيلز ترمليت، في الفترة مابين عامي 2002 و2003، صورة اسبانيا الديكتاتورية او الفاشستية ايام حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو، وفرانكو له مؤسسة خيرية تحمل اسمه وترأسها ابنته بيلار، وتدعمها الدولة بمبلغ يعادل خمسين الف باوند سنوياً، ولا انسى الماضي العربي والحمامات العربية في اسبانيا، وان اســم مدريد مـــأخوذ من كلمة "مجريط" العربية ومعناها مكان الماء، وحضورها كقبلة سياحية ساحرة وملغزة تماماً كدول الشرق، والحالة يمكن الوقوف عليها في اخبار الجريدة، عن اقتسام السيادة بين اسبانيا وبريطانيا في مستعمرة جبل طارق البريطانية (الجبل مستعمر من ثلاثمئة سنة) والقضية انتهت بالتصويت لصالح الاستعمار البريطاني، كذلك النزاع على جزيرة "تورا" او "ليلى" بين اسبانيا والمغرب، او حتى عند انتقال اللاعب الانجليزي المعروف ديفيد بيكام من مانشيستر يونايتد الى ريال مدريد.
binsaudb@ yahoo.com