في ديوانه الجديد «جنيات شومان»
زكي الصدير يسرج الخيل والفوانيس
حسين الجفال ( الدمام)
عن دار فراديس للطباعة والنشر بمملكة البحرين أصدر الشاعر زكي الصدير ديوانه «جنيّات شومان» ويقع في 128 صفحة من القطع المتوسط. وفي هذا الديوان يعود الشاعر الصدير من أودية لغته يحمل رحيقا من الكلام ، فارسا يحمل حرقته للقافلة سعيا لتكثيف المستحيل ، فآمالنا المستمرة تنتهي دائما بخيباتنا المستمرة. ولأن الشاعر يسرج لنا الخيل والفوانيس ، ويهندس التفاصيل بين مفترِس وضحية . يقف الصدير بين أفلاك تجربته ، يغير مفردته في رحلته حين يقف على التفاصيل اليومية المنسية عبر فسحة متاحة من الغيب اللغوي فالغيب الذي يتلبسه يخدمه للدخول لعالم السحر المتخيّل في عالم جنياته . يجلى لنافي الجنيات من نص لآخر وكأنه يفيق على نفسه وسط نسيج عنكبوتي من الهموم والمشاغل / الثنائيات والأضداد / يتلمس طريقه وسط هذا النسيج
يتأرجح يمينا شمالا فيما هو يتقرى فخه ، وكلما تلمسه صدرت عنه موسيقى خاصة مؤلمة .
هاهو يقول :
“ أيّكم يقطفُ من قلبي الكمنجاتِ
ويلقيني على الإسفلتِ
في غمرةِ هذا السهوِ مابينَ المقاماتِ
ويرخي لي وَتَدْ ؟ “
( جنيات شومان ) نص استعذب مأزقه وتعلم كيف يعزف عليه سيمفونيته، ليقول كينونته ويلعن الظلام، فهو يبني ويهدم ليبحث عن خلاصه الذي لن يكون خارج هذا الفخ !
نستمع في قصيدته فصولا وتراتيل حيث نجد فيه اشتغالات المجموعة نتفا من أسئلة وجودية هنا وهناك ، تتجاوب في تمثلها من قصيدة لأخرى في عذابات تتناثر عبر نصوصه .
تغويه فتنة المعنى أو المفردة، فتظل تلاحقه أو يلاحقها من فسحة نصية لأخرى كعشيقين لا ينكشفان لبعضهما بالكامل في أي لقاء، فيظلان محتاجين لحانة و لقاء آخر ولكأسين يطارحان بعضهما في حالة تكشف وولع، فاللغة لديه تتجه حثيثا نحو خلوصها من ترف المعنى / المبنى
تلوذُ الآنَ من ماءٍ إلى طينٍ
وتسلو في الممرات على رقعة تاروتَ
تساويك بأنفاسك إذ لم تك أنثى
تضع الشطّ على تخت سماكْ القلق الوجودي واحتدام التجربة يعطي اللغة نبرا خاصا يتجه إلى تشخص تصاعدي متوتر، والذاكرة لديه مصهر الهموم ومركز الفعل والانفعال .
الفردي الجماعي « الذاكرة المعاش / الشك اليقين / الأمل اليأس / الماضي المستقبل»
كل ذلك معمار للقصيدة يتكئ على تركيب الصورة من مجموعة تشظيات ومعايشات متتالية ، فكأنها لقطات خاطفة تحاصر الوجود من كل زواياه مما يعطي الصور حركتها داخل فضاء النص .
الصدير في ( جنيات شومان ) يتجنب خط السير اليومي ويغامر في الطرق المبهمة التي تلوح عليها أشواك الغيب بحثا عن الموت ، فيعود منكسرا يتعكز قصيدته ، ويحدّثنا متكئاً عن بناتِ شومانَ : “وإن حدَّثكَ قلبُكَ الظفرَ بهنَّ فاجعلْ خاتمَكَ اليشمَ ، وقلادتَكَ الياقوتَ ، ولباسَكَ الحريرَ ،وطيبَكَ الداري ، ولا تدخل عليهنَّ إلا في صَبوح ِ مطرٍ ، محمَّلاً بهداياك : زهرُ الآس ، والصندلُ ، ونسايجُ القزِّ ، والديباجُ ...”