هتاف الصامتين.. أنشودة للبساطة
لكل شعب مجموعة من الصفات تميزه عن غيره، لكنه من بين كل الصفات تبرز واحدة لتلخص وحدها طبيعة ذلك الشعب، فمثلا يقولون إن المصريين "أولاد نكتة" لأنهم يواجهون أمرَّ المواقف بالضحك، وقد نقلت لنا الأيام كماً هائلا من النكات التي ظهرت عقب نكسة 67 إن لم يكن أثناءها، ويقولون أيضا "إن المصريين طيبون"، وفي كل خطوة تخطوها على أرض مصر يتأكد لك هذا المعنى، ويقولون "إنهم مجاملون" أو "إنهم حلنجية يلعبون بالبيضة والحجر، والمصريون أنفسهم يقولون "إحنا اللي خرمنا التعريفة، أو إحنا اللي دهنا الهوا دوكو".. صفات كثيرة تتعارض أو تتضارب أحيانا لكنها كلها صحيحة، ليس عليك إلا أن (تكشط) الطبقة الفوقية لهذا المجتمع حتى ترى الناس على حقيقتها البسيطة التي أظن أن الصفة الوحيدة التي تلخصهم ما يقال من "أنهم عشَرِيون" يذيبون فيهم كل قادم حتى يصبح منهم. عشريون في احتفائهم بالناس، وفي ودهم الجميل وشهامتهم النبيلة، غير أن ما جعلني أختار لهم هذه الصفة -كشعار- ما لاحظته من هذه العشرة مع المادة..!
تدخل بعض البيوت فتراها مؤثثة على أتم وجه، وبذوق رفيع، ثم تلحظ في ركن جهازا يدويا للاسطوانات (جرامافون)، ربما لا يعمل، ومجموعة اسطوانات (سرعة 78) مكسورة، وكماً من التراب يعلو كل هذا، فتسأل صاحب البيت: "لديك ستريو حديث، ونحن قد بلغنا عصر الديجيتال فلماذا تحتفظ بهذا الصندوق الخشبي؟" ويرد على الفور، وباعتزاز غريب ودهشة: "ده من ريحة جدي.. كان يحب يسمع الست منيرة المهدية، أسمعك؟" ورائحة الجد أو الجدة دائما نفاذة، تترك "السحارة" صندوق الخشب الذي كانت تحفظ فيه الملابس، أو عقد "الكارم" من الكهرمان، أو "الخلخال" الذي شاغلت كل شباب جيلها برنته المميزة لخطوتها.
إذا أردت أن ترى حجم اعتزاز الناس بأشيائهم -البالية في أغلب الأحيان- فاصعد إلى دور علوي من الفندق أو أي بناية واستعرض أسطح المنازل.. ركام من إطارات السيارات أكلتها الشمس وابيض لونها، تلال من الصفائح الفارغة والبلاستيك والحديد والصاج والخشب المتخلف عن صناديق الصابون والملابس القديم تختفي تحتها الأسطح حتى في أرقى الأحياء، لا شيء قابلا لأن يرمى أو حتى يباع فبينه وبين صاحبه "عشرة عمر". هذه الملاحظة تشد بصرك بقوة في شوارع المدينة عندما ترى سيارة موديل 1936 مثلا ما تزال في الخدمة كسيارة تاكسي، يستطيع صاحبها أن يبدل بها سيارة جديدة وإنما عنده "العشرة ما تهونش إلا على ابن الحرام"، وعلى السيارة دائما جملة تشير إلى حجم هذا الاعتزاز "العين صابتني ورب العرش نجاني"! أي عين يا ابن الحلال، ومن يفكر في حسد سيارة لو أصابتها العين لرحمتها في شيخوختها الهاربة من الهلاك؟ أو "ما تبصليش بعين رضية شوف قد إيه اندفع في" والأكيد أن ما دفع فيها لا يشتري حمارا، أو "يا ناس يا شر كفاية قر".. والغريب أنه حتى العربات "الكارو" التي يجرها حمار هزيل تحمل مشاعر صاحبها بالكتابة: "الحلوة دي من السيدة"،"صناعة المعلم شعبان البرعي". للأستاذ الدكتور سيد ياسين كتاب جميل جمع فيه معظم الكتابات على السيارات، مع دراسة سوسيولوجية وسيكولوجية للظاهرة، سبب أساسي من عديد من الأسباب يعود إلى "العشرة".. الكتاب اسمه "هتاف الصامتين" ومنه استعرت نصف عنوان هذا المقال، وللأديب الكبير المرحوم يحيى حقي كتاب جميل جميل عن هؤلاء البسطاء و"العشرة" التي تربطهم بأشيائهم اسمه "أنشودة للبساطة"، ومن هذا الكتاب استعرت النصف الآخر في عنوان المقال.