هل أتى دور منتجي الألبان !؟
رغم قيامي بتدريس مادة الاقتصاد السعودي لمدة زادت على ثلاث سنوات من خلال محاضرات أعدّها بنفسي وأحدّثها كل فصل دراسي إلا أنه من المروءة أن أعترف بجهلي بوجود مجلس لحماية المنافسة في وزارة التجارة والصناعة، وأن ذلك المجلس له أمين عام بمرتبة وظيفية ومرتّب معتبر، وأن وزير التجارة نفسه هو من يرأس ذلك المجلس، كما أن للمجلس نظاما وأن هناك شكوكا لدى المسؤولين في الوزارة في مخالفة منتجي الألبان للمادة (الرابعة) من ذلك النظام في تدبير أمرهم بليل للاتفاق على الرفع المتزامن لأسعار بيع منتجاتهم في السوق المحلية. لذلك أعتذر لطلابي عن هذا الجهل وربما أعتذر لاحقاً عن تدريس المادة نفسها لعدم قدرتي على الإحاطة بالإدارات والمجالس ذات العلاقة بالشأن الاقتصادي ولا بالأنظمة والقوانين التي تنشر في الجريدة الرسمية ويتم التعديل عليها بتعاميم لا تجد طريقها للنشر وإن كان الجهل بها لا يعفي من تطبيقها فالجهل بالتعليمات والإجراءات مثل الجهل بالقانون وكما يقال (القانون لا يحمي المغفلين) وأنا أعترف هنا بأنني بهذا الجهل واحد من أكبر المغفلين.
نعود إلى موضوع هذه المقالة وهو اجتماع وزير التجارة والصناعة مع عدد من كبار منتجي الألبان على مستوى مديري العموم في اجتماع مغلق لم تعلن نتائجه بعد إلا أن ما تبعه من إعلان عن مجلس المنافسة وما سيفعله مجلس المنافسة يوحي بالتأكيد بأن النتائج لم تكن إيجابية. وللتذكير فقد سبق هذا الاجتماع اجتماع آخر مع مستوردي الأرز الهندي البسمتي وحينها توقعت أن إعانة ستدفع لمستوردي هذا النوع من الأرز فنشرت في هذه الزاوية مقالتي المعنونة (الإعانات الغذائية) بتاريخ 23 شعبان 1428هـ قلت فيها بالنص الحرفي (ومصدر سعادة تجّار الأرزّ -الذين أصدروا بياناً تخويفياً عن مستقبل الأرزّ القاتم وانخفاض إنتاجه على مستوى العالم رغم أن (80) دولة أخرى غير الهند تنتجه- هو في اعتقادهم بأن الضغوط الشعبيّة تتزايد على الجهات المسؤولة لصرف إعانة استيراد على كل كيلوجرام من وارداتهم من الأرزّ الهندي). ووصفت هذا النوع من الإعانات المخصصة بالقول (أما الإعانات المخصصة التي توجّه نحو أصناف من المواد الغذائية دون غيرها فهي من أسوأ الإعانات التي يمكن أن تعتمدها أي دولة على مستوى العالم لأنها توجه الموارد توجيهاً قسرياً نحو تلك المواد خاصة إذا كانت تلك المواد مستوردة لأنها تتحول في تلك الحالة إلى إعانة دعم للمنتجين في دول أجنبية وللقلّة من كبار المستوردين المحليين الذين قد يلجأون إلى عقد تحالفات مع أولئك المنتجين الأجانب لرفع الأسعار إلى مستويات أعلى أو الحفاظ عليها في مستوياتها الحالية المرتفعة ومنعها من الاستجابة لقوى العرض والطلب في حالة انخفاض الطلب وميل الأسعار للهبوط وذلك لضمان استمرار امتلاء الجيوب بنقود سهلة دون أي مجهود إضافي أو عمل إبداعي). ولكن التجار نجحوا في النهاية وحصلوا على الإعانة التي يطمحون إليها.
واليوم يعيد التاريخ نفسه لنجد منتجي الألبان أو أعداء الأمس يتضامنون للضغط في سبيل الحصول على نصيبهم من الإعانات السهلة. وأقول أعداء الأمس لأنني لا أنسى ولا يمكن أن أتناسى (حرب الألبان) التنافسية الاحتكارية التي اندلعت بين هؤلاء المنتجين في ذي القعدة من العام الهجري 1420هـ ليخسفوا بأسعار عبوة اللتر الواحد من الحليب بمقدار (33%) وعبوة اللترين بمقدار (40%) وحينها حذرت من هذا النوع من المنافسة المدمرة بمقالة نشرت ايضاً في الصفحة الاقتصادية من عكاظ في العدد 12240 بتاريخ 24 ذو القعدة 1420هـ. ويا سبحان الله هاهم نفس المنتجين يتضامنون اليوم ليتحولوا من نظام (المنافسة الاحتكارية) إلى نظام (احتكار القلّة) مدفوعين بسابقة إعانة الأرز الهندي.
ورغم أن مستوى التضخم تخطى 5% في المملكة حسب الأرقام الرسمية المعلنة فإن ارتفاع أسعار المواد المستوردة يمكن قبوله والبحث فيه عن بدائل، أما المنتج المحلي ففي زيادة أسعاره نظر خاصة إذا ما كان ذا علاقة بالأمن الغذائي مثل الألبان ومنتجاتها، فقد تلقت هذه المشاريع عند إنشائها ومازالت، إعانات من الخزينة العامة للدولة شملت الأراضي المجانية والاستخدام المجاني للمياه الجوفية الشحيحة والقروض الميسرة للمعدات والمباني والحظائر والمصانع والمختبرات وفوق كل ذلك الأبقار التي نقلت لأول مرّة في التاريخ إلى المملكة بالطائرات من أمريكا وهولندا والدنمرك. ولمزيد من المعلومات في هذا الشأن أحيل القارئ المهتم لمقالتي في العدد 12199 من «عكاظ» بتاريخ 14 شوال 1420هـ. وحتى لا أظلم وأضمن التوازن في هذه المقالة لا بد أن أشير هنا إلى أن منتجي الألبان قد اعتذروا بارتفاع قيمة المدخلات وفي مقدمتها الأسمدة التي تبيعها شركة سافكو، أحد فروع سابك، لهم ولغيرهم من الشركات والأفراد العاملين في القطاع الزراعي بأسعار ليس فيها أي نوع من التفضيل على الأسعار العالمية، كما أن أجور الشحن والتبريد والأغذية وكافة الصناعات المرتبطة بصناعة الألبان سواء كان ارتباطها خلفياً أو أمامياً أو حتى افقياً شهدت ارتفاعات قياسية في أسعارها وأثرت بالتأكيد على تكاليف إنتاجها الثابتة والمتغيرة، وهم في هذا محقّون. وبالتالي لا نملك سوى مناشدتهم ومناشدة سابك وأرامكو وكافة الشركات والمؤسسات التي أسست بمعونات كبيرة من الخزينة العامة لمواطني هذه البلاد أن يتحملوا الآن نصيبهم من المسؤولية الاجتماعية تجاه هؤلاء المواطنين الذين يعانون من وطأة الغلاء. ويبقى أن أختم هذه المقالة بالتأكيد على جزئية صغيرة من مقالة سابقة فيها مقترح باستهداف المواطن المستهلك بدلاً من المنتج والمستورد بالإعانة طالما أن مبدأ الإعانة أصبح مقبولاً في ضوء إعانة الأرز الهندي والتفاوض لإعانة الألبان. وفي تلك الجزئية التي أرغب في التأكيد عليها مرة أخرى قلت: أما المدخل الثالث الذي أراه في الأجل القصير للتعامل مع المشكلة فيتمثل بتقديم إعانة غذائية للمواطنين بصرف قسائم (كوبونات) لكلّ عائلة سعودية بحيث تتناسب قيمتها عكسياً مع مستوى دخل الأسرة وطردياً مع عدد أفرادها دون أن تكون مخصصة لصنف غذائي دون غيره بمعنى أن القسيمة تقبل من كافة المخازن التموينية كجزء من أسعار مواد تموينية أساسية كالأرزّ دون تحديد نوعه، والحليب على أن يكون وطنياً لوجود إنتاج كاف منه، والخضروات دون تحديد صنفها واللحوم دون تحديد فصيلتها.. وهكذا. بحيث لا يتم تفضيل صنف على آخر ولا منتج على آخر مع ضمان ترك حريّة الاختيار للمواطن حسب ذوقه واحتياجه.
ففي مثل هذا النوع من الإعانة لا نعطل عمل نظام الأسعار في توجيه الموارد وسيحاول كل منتج أو مستورد لمادة غذائية أن يسعى لاستقطاب المستهلك وإقناعه بشراء منتجه وربما اضطر في سبيل ذلك إلى تخفيض الأسعار، ولكن المؤكد أنه لن يتمكن -في ضوء نظام إعانات كالذي أقترحه- من التحالف مع غيره لفرض سعر مرتفع متفق عليه لأن المستهلكين سيختارون حينها شراء المنتج الأفضل وتبور بضائع الباقين.
altawati@yahoo.com