الأطباء والإعلام.. مَن يستغل مَن !
عند إجراء تحليل مضمون (محتوى) ماتنشره بعض وسائل الإعلام، عن أحداث ومستجدات الحقل الطبي لجهة الكثافة ومستوى القضايا؛ سنرصد خلال الفترة الماضية، ارتفاعا في كثافة التغطية الإعلامية للأحداث الطبية بشكل لافت، بعضها دون وجود منجز طبي بارز بالمعنى العلمي، وأحيانا يتم تضخيم الحالات والأحداث لاستدراج وسائل الإعلام، حتى وإن كان ذلك أحيانا على حساب مصلحة المريض المستقبلية أو على حساب الأخلاقيات الطبية.
فمن المفارقات، أن بعض العمليات الجراحية التي حظيت باهتمام إعلامي كبير في أكثر من دولة، كان المريض يموت في نهاية المؤتمر الصحفي للفريق الطبي، وفي لحظة انصراف الإعلاميين من تغطية الحدث الطبي، وهي إشكالية طبية وإعلامية في آن واحد. فضعف المتابعة الصحفية لمستجدات الحالة، وتواضع الثقافة الطبية في بعض وسائل الإعلام، أسهم في استغلال بعض المؤسسات الطبية، وبعض الأطباء للصحافة، وتوظيفها كمكائن للترويج والتسويق، دون الاعتماد على معايير علمية طبية محايدة، لتقييم الحالة او الحدث، حتى لايتم تضليل الرأي العام من جهة، وفقدان وسائل الإعلام لمصداقيتها الإعلامية في المجتمع الطبي من جهة أخرى. وهذا يتطلب من الوسائل الإعلامية أهمية وجود مستشار طبي لتقييم الأخبار والأحداث الطبية قبل معالجتها إعلاميا، ولا سيما بعد هجمة الأطباء والمؤسسات الصحية على وسائل الإعلام، بحثا عن المجد والشهرة، بشكل يتنافى والرسالة السامية لمهنة الطب، فكثير من الأحداث الطبية مكانها المؤتمرات العلمية لا وسائل الإعلام. علما أن هناك جدلا طبيا قائما حول بعض العمليات الطبية، لجهة هل المبالغة في عمليات توليد الأطفال المشوهين والاصرار على وضعهم على أجهزة التنفس بشكل مستمر لإحيائهم سريريا، او عمليات زراعة الأرحام هل ذلك يصب في مصلحة المرضى وأسرهم، وهل مايحدث منسجما مع الأخلاقيات الطبية، اعتقد أنه حان الوقت للأطباء للعودة إلى مستشفياتهم ومرضاهم وبحوثهم الطبية، وان يكون محل التنافس والتميز في المؤتمرات الطبية والبحوث العلمية المحكمة، بمعايير يتم من خلالها الإعلان عن المنجزات الطبية، وفق مقاييس معتمدة في علم وأخلاقيات الطب، مثلما حان الوقت لوسائل الإعلام أن تتصدى لمحاولة استغلالها، من خلال وجود معايير صحفية/طبية تحدد السبق الطبي، لكي نستطيع أن نقول للمحسن أحسنت، دون أن نغمط حق أحد، أو أن يستغلنا أحد.
alfirm@gmail.com