j30
أقوى من الوجع..!! د. ابتسام عبدالرحمن حلواني
في أحيانٍ كثيرة، يعتقد الفرد منَّا أن بعض المشكلات لا يمكن أن تتجاوز، مهما كبرت، حدًّا معينًا، لذا تكون نظرته للأمور قاصرة بعض الشيء، فإذا ما اكتشف الحقائق ذُهل واستنكر دون أن يكون بمقدوره فعل أي شيء آخر.
طالبة من طالبات الجامعة.. تعيش مع أبيها وحدها بعد أن طلق أمها، هذا الأب لا أستطيع أن أجد الكلمة المناسبة لوصف شخصيته التي توجِّه سلوكياته وتصرفاته، فكل الكلمات تعجز عن الحصول على وصف معبر وملائم، إذ إنه يتحرش بابنته منذ صغرها، وعندما كانت في الثانية عشرة من عمرها ضغط عليها فلم تستجب له، حاول إغراءها بممارسة فعله الشنيع مع الخادمة أمامها، ومع ذلك فإن البنت لم ترضخ رغم فزعها وهلعها، في البداية كانت تهرب إلى بيت خالها أو بيت عمها، لكن كلا منهما كان يعيدها إليه بعد وقت قصير جدا، خوفا من سطوته وشره..
كبرت البنت قبل أوانها في ظروف قاسية جدا، إذ لم يكف أذاه عنها طوال الوقت، كان يلاحقها كثيرا حتى بعد أن تزوج، فحركاته المشينة كانت تحدث أثناء الأكل وأثناء الليل حتى أثناء الصلاة، وظلت تصده بعنف حتى جاءها أكثر من خاطب، وعندما أخذ يرفضهم واحدا بعد الآخر، طلبت منه أن يوافق بعد أن أوهمته بأنها ستمكّنه من نفسها في حالة موافقته، وحدثت الخطوبة فعلا، لكنه فرق بينها وبين خطيبها بعد أن يئس من استجابتها له.. وبعد فترة وافق على خطيب آخر، وتزوجت الفتاة لكنه أجبر زوجها على تطليقها بعد وقت قصير، وعندما رفض الشاب لفق له تهمة أوقعته في مشكلة كبيرة اضطر بعدها الشاب لتطليقها والنفاذ بجلده كما يقولون..
اليوم، تقبع الفتاة في دار الرعاية الاجتماعية بعد أن شهدت الزوجة بتحرش الأب بابنته، تعيش هناك محطمة النفس كسيرة الفؤاد، لكنها بفضل الله تواصل دراستها الجامعية دون أن تفارق ذهنها، كما تقول، كل صور البؤس والمعاناة.
في هذه القصة الواقعية الموجعة بعنف يتجلى أكثر من أمر:
رداءة الخلق وسوء الطوية عند الأب، الذي أتمنى لو أعرف شيئا عن طفولته، فأنا لا أتصور أن إنسانا يكون بهذا القدر من الإجرام والسوء إلا وفي ماضيه شيء عظيم من السواد ساهم بقدر كبير في تشكيل شخصيته، امتناع بعض الناس كالأخوال والأعمام عن أداء ما يجب عليهم فعله تجاه أقرب الناس إليهم بالرغم من أنهم مسؤولون عنهم بحكم قرابتهم لهم، خاصة في مثل هذا الوضع المؤلم الذي يتجلى فيه الظلم بأبشع صوره لكن الأنانية المفرطة تتجلى أيضا وخوف الناس على أنفسهم ومصالحهم قبل أي شيء، هروب الأم المطلقة وعدم محاولتها تخليص ابنتها من براثن أبيها الذي تعرف سوء خلقه بكل تأكيد، قد تكون هناك بعض المحاولات الفاشلة منها لكنها، رغم مرور السنين، لم تحقق أي تقدم، صمود الفتاة وقدرتها على المحافظة على نفسها رغم ما تعرضت له من قسوة وعنف وجبروت، إضافة إلى الآلام النفسية والجسدية المبرحة التي ظلت تعاني منها طوال الوقت، سهولة استخدام بعض الناس لسلطاتهم وصلاحياتهم الوظيفية في إيذاء كل من يتعرض لهم أو يحاول منعهم من الاستمرار في غيِّهم مما يبعد الآخرين عن محاولة الإصلاح اتقاء لشرهم وبطشهم. القصة لم تنتهِ بعد.. لكنني أنشرها لتحصل العبرة.. ويتنبه الناس، فالأمر جد خطير، والتهاون فيه سيجر إلى أخطار أكبر.. كل منَّا له دور وعليه مسؤولية تجاه من حوله، فلنتقِ الله عز وجل أيا كان واقعنا وموقعنا.. هذه القصة لها قطعا مثيلات، لكنني لا أتصوّر وجود الكثير منها وأتمنى أن أكون على صواب. أتمنى أيضا أن تُسهل إمكانية أن يجد المغلوبون على أمرهم من الجنسين مكانًا آمنًا يلجأون إليه ليحتموا به مما يقع عليهم خاصة النساء، فالمشكلة أنهن يُعدن إلى بيوتهن فيتضاعف الألم وتتسع دائرة التعذيب ويطول ليل الظلم دون رادع من دين أو خلق أو ضمير.
ص.ب 30550 جدة 21487
E_halawani@hotmail.com