غازي عبداللطيف جمجوم
توسعة ساحات الحرم المكي الشريف
سوف يحفظ العالم الإسلامي لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، رعاه الله، أكبر مكانة وتقدير لتوجيهه بتوسعة الساحات الشمالية والشمالية الغربية للحرم المكي الشريف بمساحة إجمالية تبلغ 300 ألف متر وعمق 380 مترا تقريبا، مما يتطلب نزع ما يقرب من 1000 عقار بتعويضات تقدر بحوالى 6 مليارات ريال. تأتي هذه التوسعة المباركة في وقت تبلغ الحاجة إليها أكبر ما تبلغ مع الازدياد المضطرد في أعداد الملايين، حماهم الله، من حجاج ومعتمرين ومصلين وطائفين الذين تغصُّ بهم، بل تفيض جنبات الحرم الشريف في المناسبات الدينية على مدار العام. وتضاف هذه التوسعة إلى توسعة المسعى التي ستخفف من الزحام خلال أداء السعي. كما تأتي هذه التوسعة في الوقت المناسب، بل الملح، عقب الهجمة العمرانية التي أحاطت بالحرم من جهاته الأخرى (الشرقية والجنوبية والجنوبية الغربية) بإنشاء البنايات العالية المتاخمة. هذه البنايات الشاهقة تُزاحم الحرم الشريف وتمنع رؤيته من على بعد، و ترتفع على مآذنه، بل قد تعيق حركة النسيم الذي يسرح في أرجائه، وهي تمنع أية توسعات قد تصبح ضرورية مستقبلاً. وعلى الرغم من أن بناء هذه المباني بالقرب من الحرم يمنح القاطنين فيها إطلالة غالية على الكعبة المشرفة ويسهّل وصولهم إلى الحرم مشيا، إلا أن الارتفاع الشاهق يجعل الصعود والنزول من الأدوار العليا يستغرق وقتا طويلا، وينتج عن ذلك، في أغلب الأحيان، أن التردد بين السكن والحرم لكل صلاة من الصلوات الخمس، حتى لهؤلاء، لم يعد أمرا ميسورا، بل أصبح الذهاب إلى الحرم مشروعا يستغرق بضع ساعات في أي الأحوال. فوق ذلك، فإن الثمن الباهظ للإقامة في هذه المباني القريبة من الحرم يجعلها مقتصرة على النخبة القليلة من الموسرين. أضف إلى ذلك ما تسببه هذه المباني من ازدحامات مرورية خانقة ومن أخطار مضاعفة في حالة الكوارث مثل الحريق أو الزلازل لا قدر الله. لذا فإن فكرة السكن المتاخم للحرم تحتاج كلها إلى مراجعة شاملة، إن لم تكن قد ثبتت مساوئها. على عكس ذلك، سوف تسمح التوسعة القادمة للساحات الشمالية بإبراز الصورة الجمالية البهية للحرم الشريف، من المناطق المحيطة به في تلك الجهة، ومن الطرق المؤدية إليه منها، بل حتى من جبال مكة المكرمة الشمالية البعيدة. وستعطي هذه التوسعة الحرم متنفسا رحبا لتحرك الناس ووسائل المواصلات، بل حتى لتحرك الهواء، كما ستشكل عاملا مهما من عوامل السلامة. لا شك أنه يجب تخطيط الخدمات التي تتطلبها هذه التوسعة مثل الطرق المحيطة ومواقف السيارات البعيدة والأنفاق المؤدية إلى الحرم والمنافع ووسائل المواصلات العامة ووسائل السلامة ومكبرات الصوت والمظلات بعناية فائقة. أتمنى ألا يتم ذلك بعجلة بل بكل تأنٍّ وروية. وستمنح الفترة اللازمة لنزع العقارات التي تقرر إزالتها، المسؤولين الوقت الكافي للتأني في التخطيط. وأتمنى أن يطرح التخطيط لهذه الخدمات في منافسة عالمية لاختيار أفضل التصاميم الرحبة التي تراعي إبراز هيبة بيت الله وجماله، مع استيفاء الجوانب العملية اللازمة لأداء الشعائر، وكذلك لاختيار أبدع الابتكارات الحديثة خاصة في مجال نقل الجموع بسكينة وسهولة مثل قاطرات المونوريل الكهربائية النظيفة والهادئة والمنحدرات أو السلالم الكهربائية وأحزمة السير المتحركة. نتمنى أن نرى مستوى جديدا رائعا، بل عبقريا، من التخطيط والتنفيذ يليق ببيت الله الحرام ويكون مثالا يحتذى به لما يجب أن تكون عليه الأمور في مثل هذه المشاريع العملاقة. جزى الله خادم الحرمين الشريفين خير الجزاء على هذه التوسعة الجديدة، ووفق القائمين على إخراجها كل التوفيق حتى تظهر في أبدع صورة وتؤدي دورها خير أداء.