زيارة انتخابية
يوشك الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على إنهاء زيارة مطولة للشرق الأوسط ابتدأها بإسرائيل وأنهاها بمصر، مروراً بالكويت والبحرين والإمارات والمملكة. ورغم ما أعلن قبل الزيارة وأثناءها من أن هدفها الرئيسي يتمثل في بذل الجهود من أجل وضع جدول زمني لمفاوضات مكثفة تنتهي بالتوصل لصيغة سلام نهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين للتعايش في دولتين متجاورتين قابلتين للنمو والاستمرار وذلك قبل مغادرة الرئيس لمنصبه في نهاية هذا العام، إلا أن مجريات الزيارة أرسلت إشارات متعددة أهمها أن الإدارة الأمريكية تسعى لتهدئة الأمور في هذه السنة الانتخابية لتسهيل الأمور على الجبهة الفلسطينية على مرشحي الرئاسة من الحزب الجمهوري الحاكم الذين يفتقرون للأرضية الصلبة في مواجهة الزخم الطاغي للمرشحين الديمقراطيين وفي مقدمتهم (هيلاري كلينتون) التي كانت سيدة أمريكا الأولى وتسعى الآن لتكون (سيّد أمريكا الأول).
وما يعزز هذا الطرح هو عدّة شواهد منها أن توقيت الزيارة لا يصبّ في مصلحة السلام في المنطقة بأي حال من الأحوال، ففي إسرائيل قيادة سياسية ضعيفة يترأسها إيهود أولمرت المهدد بالطرد من منصبه نهاية هذا الشهر عند نشر تقرير رسمي قد يحمِّله كامل المسؤولية عن الفشل الذريع الذي واجهته القوات الإسرائيلية في تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة أثناء هجوم قوّاتها على لبنان لتغيير واقع التوازنات اللبنانية بالقوة الصيف الماضي. وعلى الجانب الفلسطيني هناك رئيس السلطة محمود عباس الذي لا يقل موقفه ضعفاً عن موقف أولمرت، حيث فشل في الحفاظ على سلطته في غزة مع أنّه يصرّ على التفاوض الآن باسمها وباسم غيرها، والكل يعلم أنه لا يستطيع فرض أي من تفاهماته أو اتفاقاته مع كافة الأطراف الدولية على حماس أو على غيرها من الفصائل الأخرى التي لا حصر لها في غزة أو في الضفة والتي تدعي كلها وصلاً بليلى.. وربما كانت ليلى أمريكية أو إيرانية أو طائفية أو حتى إسرائيلية.. ومن الشواهد الأخرى مجموعة الإيماءات والتصريحات المتناقضة بشأن السلام التي أرسلها الرئيس الأمريكي نفسه في عدة اتجاهات أثناء الزيارة والتي من أهمها تجاهله مقتل عدد من الفلسطينيين في غزّة على أيدي قوات الاحتلال بعد ساعات من وصوله إلى الأرض المحتلة، وتصريحه بعد رحلة بموكب من السيارات من القدس إلى رام الله بأنه يتفهَّم بعد رؤيته للحواجز الإسرائيلية الأمنية مدى الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون من وجود هذه الحواجز ولكنه يتفهم في نفس الوقت مدى ضرورتها لإحساس الإسرائيليين بالأمن. وتأتي الطامة الكبرى في إعلان الرئيس عن رؤيته للسلام التي تصادر حق العودة للفلسطينيين مقابل دراهم معدودة، ذلك الحق الذي أصبح مع تقادم العهد بمثابة حق الإنسان الفلسطيني في توارث الحلم الجميل بالعودة إلى البيت والحي والحقل. هذا الحلم الذي عاش عليه الفلسطينيون أكثر من ستة أجيال وتوارثوه جيلاً بعد جيل وقدموا قوافل الشهداء من خيرة شبابهم من أجل تحقيقه، يصادر هكذا! ومقابل ماذا؟ مقابل تخلي الإسرائيليين عن صنادق وأكواخ غير مأهولة نثروها لمثل هذا اليوم بشكل عشوائي مقصود في كافة أنحاء الضفة، التي شبَّه الرئيس نفسه الضفة بوجودها بالجبن السويسري (كثير الخروق والفجوات). وليت الرئيس اكتفى بهذا بل دعا إلى (نبذ) قرارات الأمم المتحدة التي يعلم الجميع أنها تدعو إلى إزالة المستوطنات كلها، سواء كانت عشوائية أو غير عشوائية، وإلى ضمان حق العودة للفلسطينيين ودعا بدلاً من ذلك إلى إعادة التفاوض بين الطرفين وفق شروط جديدة لا أحد في الدنيا يعلم ماهيتها وإلى أين ستنتهي، وكل ذلك يجب أن يتم وفق جدول زمني ينتهي قبل نهاية العام أي قبل مغادرته للبيت الأبيض!. آخر الشواهد لتعزيز هذا الطرح يتمثل في رفض الرئيس الأمريكي إرسال أية إيماءة عملية للتعاطف مع الفلسطينيين حتى إن كانت رمزية كإصراره على رفض دعوة مسؤولة السياحة في السلطة الفلسطينية لجولة قصيرة على الأقدام في بيت لحم –موئل المسيح عليه السلام– لمشاهدة مدى الضرر الاقتصادي والإنساني الذي يلحقه سور الفصل العنصري الإسرائيلي بالمدينة الأقدس لدى المسيحيين رغم ما عُرف عن الرئيس من تشدد ديني لا يقبل المساومة. أما الشواهد التي تثبت أن تلك الزيارة للمنطقة لا تتعدى الأغراض الانتخابية فتتجلى في مسارعة الرئيس للقيام بها وبلاده على أبواب كساد يعتقد كثير من المحللين أن الحلول التقليدية بتخفيض سعر الفائدة لتأجيل حدوثه لن تجدي نفعاً في المدى الطويل وبتزامن يبدو أنه مدروس للتعتيم على حملة السيدة كلينتون للفوز بترشيح ولاية نيوهامبشاير؛ تلك الولاية التي تعكس في العادة مدى شعبية مرشحي الرئاسة لدى الأمريكيين (البيض) وهذا ما تنبهت له السيدة (كلينتون) جيداً لتستغل فرصة الزيارة وزخم فوزها في ذات الولاية التي شهدت انطلاقة زوجها في الماضي نحو الرئاسة لتفجر قنبلة انتخابية اقتصادية موقوتة علا وميضها فوق وميض زيارة الرئيس، فأثناء زيارة الرئيس للخليج وإطلاقه للتهديدات نحو الجيران على الشاطئ الآخر، طرحت هي على الكونجرس مبادرة (تحفيز) للاقتصاد تزيد في مدفوعاتها على 60 مليار دولار للإبطاء من اندفاعه نحو الكساد ولمساعدة الفقراء بإعفاءات ضريبية كبيرة وتقديم تحويلات مالية مباشرة للأسر الأكثر تضرراً. وبهذا الطرح الجريء تمكنت السيدة كلينتون من إصابة عصفورين بحجر واحد أحدهما مصادرة حق منافسيها من الحزبين في تحقيق أية فتوحات انتخابية على الجبهة الاقتصادية في الوقت الحاضر على الأقل، وتمثل الآخر في استدراج منافسيها للنطق بما لا يحسن قوله في مثل هذه المواقف. وهذا ما حدث بالفعل حيث سارع منافسها الجمهوري الأبرز (جون ماكين) إلى رفض تلك المبادرة واتهام الديمقراطيين بالمسارعة لتحميل الميزانية الفدرالية مزيدًا من النفقات كحل سهل للمشكلات الاقتصادية مما سيفقده بالتأكيد تعاطف جموع الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي. ومن الشواهد أيضًا أن الرئيس ما زال يراهن على تصعيد وتيرة الصراعات التي بدأها في أفغانستان والعراق واستكملها بإيران لتوظيفها في استمرار حزبه في السلطة وفق معادلة الخوف على الأمن الوطني التي ابتدعها وطبقها بنجاح منذ وصوله للسلطة، ويحاول توظيفها اليوم من خلال هذه الجولة التي امتلأت بدلالات رمزية كثيرة. فرغم أنه تجنب زيارة العراق إلا أنه ظهر على شاشات التلفزيون وهو يزور عدة دول عربية في الشرق الأوسط بسلام واطمئنان ويتحدث عن المكاسب في العراق، فيما يبدو للعيان وكأنه يقوم بزيارة روتينية لم تحشد لها جيوش من قوات الأمن في كافة المواقع التي وطأتها قدماه للحفاظ على حياته.
ولكن هل ستنجح معادلة الخوف في إيصال مرشح جمهوري للبيت الأبيض للمرة الثالثة على التوالي، أم أن الجيوب الخاوية والموائد التي أصبحت تفتقر إلى العديد من أصناف الطعام الفاخرة التي تميّز الأمريكيون بالاستمتاع بها دون باقي الشعوب ستسقطه في نهاية المطاف. هذا ما ستكشف عنه مجريات الحملة الانتخابية في الشهور القليلة القادمة ..
altawati@yahoo.com