أشواك
هي كذا
على طريقة الأسئلة (الهايفة ) المنتشرة الآن في الفضائيات، اسأل:
من هو أول رجل منافق في تاريخ البشرية؟ اخترع هذه الوسيلة الفتاكة،للوصول الى بغيته من أقصر الطرق من غير أن يبتل له طرف .
وكيف بدأ نفاقه وانحنى وقبل الهواء بين يدي رئيسه،وكيف اختار بروازا صقيلا ليضع فيه من نافقه،وجعل منه (فلتة) زمانه،وعبقرية الكون التي لن يجود بها الدهر مرة أخرى .
هذا السؤال لن يستطيع أحد منا الإجابة عليه .! فليس صحيحا أن التاريخ جامع لكل ما حدث في عصر من العصور .
وليس صحيحا براءة ذمة التاريخ من التغافل عن ممارسات حدثت،فالتاريخ انتقائي،والمؤرخ ميال لطبيعته وخاضع لمؤثرات كثيرة تؤثر فيه اثناء الكتابة،وهناك أمور لا يلتفت إليها المؤرخ بتاتا .
لكننا يمكننا القول أن كثيرا من السلوكيات الأخلاقية قديمة قدم الإنسان نفسه،فالكذب والنفاق والغش والظلم ، (وكل المفردات المشينة ) هي أخلاقيات مرتبطة بالإنسان منذ الأزل .
وتختلف مفاهيمنا ونظراتنا في تقييم تلك الممارسات،فنحن نعطي القيمة صورتين ،صورة حسنة،وصورة سيئة،ومتى ماارتكبت نقيصة ما،حكمنا عليها من موقعنا،وليس من موقع قيمي بحت،فخصلة البخل يمكن أن تتحول الى حرص،والشجاعة إلى تهور،والكرم إلى إفراط،والنفاق الى مجاملة .
أذكر أنني كتبت قصة بعنوان الخائن،تتحدث عن رجل عاش مغتربا سنين طويلة وعندما عاد إلى بلاده،افتتح متجرا صغيرا ليعيش ما تبقى من حياته داخل وطنه،معززا مكرما،هذا الإنسان وجد أن مأمور التفتيش يهطل عليه يوميا بالمخالفات،فلا يجد لها مبررا،ويمسك به موضحا له أنه مستوف لكل الشروط،فيقول له المفتش :
ينقصك أهم شرط .
ولا يبوح له بهذا الشرط،وبعد زمن يذهب صاحب الدكان لكي يسدد تلك المخالفات،فيكتشف أن الجميع ينظر إليه بريبة،واستنكار وتهديدات تصل إلى أن يرمى خلف الشمس،فيعود حائرا إلى متجره،ليأتي إليه مأمور التفتيش مرة أخرى قائلاً:
أراك لم تنفذ الشرط ولا أظنك إلا متواطئا ضد بلادك .؟!
ويحرر له مخالفة مع تحذير مشدد أن هذه المخالفة هي الأخيرة وبعدها سيكون هناك حديث أخر،وبين حيرته ودهشته يتقدم إليه العسكري المرافق للمفتش :
- يا أخي علقها فلن تكلفك شيئا .
أعلق ماذا؟
صورة الرئيس الأوحد.
وفي الصباح ينهض لعمله مستعجلا،فرحا،حاملا صورة الرئيس بجوار قلبه،ويلحظ أن الشارع ليس كالعادة،فالجنود منتشرون في كل زاوية،والمدرعات تجوب الشوارع والميادين،فيتوجه الى متجره،ويختار مكانا بارزا ويعلق صورة الرئيس .وقبل أن ينتهي من تعليقها يحوطه الجنود ويقودونه الى المخفر بتهمة الخيانة العظمى !!..والسبب ببساطة شديدة أنه في الليل وحين كان يحمل صورة الرئيس حائرا أين يضعها،قامت ثورة أسقطت الرئيس الذي كان رمز العبقرية والطهارة والشرف والوطنية .
ولأننا بدأنا عن النفاق سأختم هذا المقال بقصة رجلين منافقين:
دأب صديقان على ارتياد مجالس ذوي النفوذ والجاه ،يحضران مناسباتهما السعيدة والحزينة،ويقومان بأعمال خدمية من غير أن يطلب منهما،ويدلقان كلمات النفاق بمناسبة وغير مناسبة ،وكانا حريصين على تبادل مواقع المناسبات وحضورها ويوصي كل منهما صاحبه عنها .
وفي ذات يوم اتصل أحدهما بالآخر قائلا له :ترى مات فلان فلا تفوت على نفسك هذه المناسبة ولا بد ان تكون متواجدا .
وعلم مكان الدفن والوقت المحدد للدفن،فتحرك الى هناك ،دخل المقبرة فوجد أناسا كثيرين مجتمعين على دفن الميت فتبرع بالنزول مع الميت الى القبر،وقفز وحمل التراب وساوى به القبر،ورش الماء على الغبار المتطاير، وكان يوجه القبار ومساعديه اعملوا كذا ،اتركوا كذا،وبعد ان انتهى من الدفن رأى صاحبه يقف في جنازة أخرى كان أهلها يتهيأون لدفن ميتهم ،فجاءه صاحبه راكضا قائلا له:
ترى جماعتنا هناك .
فالتفت بحنق للميت الذي قام بدفنه قبل قليل وصاح غاضبا : أجل منهو هذا اللي دفناه.!!
abdookhal@yahoo.com