عبد الله الأحمر «كفاح رجل» - الحلقة الثالثة
السكرتير الخاص للفقيد يروي جانباً من تفاصيل حياته
القيري: واجه مرضه بإيمان كبير ولا أحد يستطيع سد الفراغ الذي تركه
رصد: عبدالله آل هتيلة (صنعاء)
كان الشيخ عبد الله الأحمر – رحمه الله – منذ قيام الثورة وحتى وفاته رفيقا لكل رؤساء اليمن ومناضلا معهم ومساهما في صنع الحدث والتطورات خصوصا بعد العام 1967م وقيام حركة الخامس من نوفمبر بقيادة القاضي عبد الرحمن الارياني وكان يمثل همزة الوصل بين كل فرقاء القوى السياسية ويكتفي بما يوكل اليه من مهام ومسؤوليات ولم يكن يطمح إلى تولي منصب الرئاسة بل كان يفضل أن يكون بمنأى عن ذلك ويبقى في الظل لزهده عن المناصب العليا. لم يكن رحمه الله ممن انخرطوا في زمرة الذين حظوا بالأموال والأسلحة بل ظل عند موقفه ومبادئه الثابتة وهي الدفاع عن الثورة والجمهورية حتى النصر مهما كانت التضحيات .. وقد دافع عنها قولا وفعلا حتى انتصرت وقامت الجمهورية. يتواصل اليوم حديثي مع المقربين من الشيخ عبد الله الأحمر وتحديدا مع سكرتيره الخاص عبد القادر القيري الذي قال : نحمد الله على قضائه وقدره ولن نقول إلا ما يرضي الرب " إنا لله وانا اليه راجعون " رحيل الشيخ عبد الله سيترك فراغا كبيرا وللأسف انه حتى الآن لا يوجد في الساحة من يغطي هذا الفراغ .. شخصيته المتعددة الجوانب جعلت المصاب كبيرا جدا وكما قال بعض الإخوان انه أتعب من سيأتي خلفه ونأمل أن يسد أبناؤه جزءا من الفراغ الذي تركه وفي تصوري والناس جميعا بأنه لن تكون هناك شخصية تسد مكانه لأن الصفات والقدرات التي كان يتمتع بها قلّ أن توجد في هذا العصر. وفي ما يلي نص الحوار :
كيف تصف الدور الذي كان يلعبه الشيخ عبدالله على المستويين الداخلي والخارجي ؟
الأدوار السياسية سلطت عليها الأضواء في الماضي وإسهاماته في هذا الجانب كبيرة ومتعددة على المستوى الوطني وفي المواقف والأزمات التي تلم باليمن حيث يلجأ الناس للشيخ عبدالله ليستنيروا برأيه ويستعينوا بقدراته من أجل الخروج من الأزمات المحلية وهي كثيرة والتي أسهم في حلها وقدم إسهامات كثيرة خاصة في القضايا الأساسية والرئيسية مثل قضية الوحدة وقضية الأمن والاستقرار في اليمن ومكافحة التخريب قبل الوحدة وتثبيت النظام الجمهوري بعد الثورة كل هذه قضايا أساسية و كان له دور كبير فيها إلى جانب قضايا وضع الدستور الدائم للبلاد والحفاظ على الهوية الوطنية الإسلامية العربية لليمن .. فلا يختلف اثنان على أن الشيخ عبدالله كان صاحب السبق في هذه القضايا وله إسهاماته الكبيرة .. في العلاقات الخارجية كان همه الأكبر أن تبقى لليمن سيادته واستقلالية قراره تحت أي ظرف .وفي أي قضية خارجية تهم اليمن وكان ديدنه أن يحافظ على هذا التوجه وان تبقى اليمن رغم كل الظروف التي مرت بها والحاجات المترتبة عليها ذات سيادة وقرارات مستقلة ومن هذا المنطلق كان يحرص على أن تكون علاقات اليمن مع جيرانه وأشقائه قوية ومتينة وأن يعالج القضايا التي تطرأ بالحكمة والحوار الهادئ والحلول المنطقية والمعقولة وأن يهدأ أصحاب الشطحات والتشنجات ويقرّب وجهات النظر بين اليمن وجيرانه وأشقائه وبقي على هذا الحال حتى وفاته والكل يعلم بأنه – رحمه الله – استطاع أن يجنب اليمن مصائب كبيرة يعترف بها الأصدقاء وغيرهم حتى الذين كانوا يخالفونه الرأي ويصفونه بأنه صمام الأمان لليمن .. تحركاته ودعمه للقضايا العربية والإسلامية معروفة أيضا فلا توجد قضية إلا وكان سباقا في دعمها.
أدار الحرب بكفاءة
عندما قامت حرب الانفصال كيف كان الشيخ عبدالله يتصرف .. من كان يلتقي حدثنا عن أجواء مشاركاته في إدارة هذه الحرب ؟
الوحدة كانت هدف كل مخلص لليمن وتحققت ولله الحمد في العام 1990م .. كانت هناك ملاحظات للشيخ عبدالله على بعض الأسس التي قامت عليها الوحدة والتي كانت تحمل في طياتها بذور الخلاف وحذّر ونبه (رحمه الله) قبل إعلان ميلاد الوحدة وبعدها من أنه لا بد من معالجة الأمور حتى تثبت أركان الوحدة في تلك الفترة وفي عز نشوة الوحدة وبهرجة الإعلام لم يستوعب الناس النصيحة والرأي وأن هناك قضايا لا بد أن تعالج حتى نضمن ثبات الوحدة .. جاءت الأيام وأثبتت أن الوحدة مهددة إذا لم تعالج القضايا التي نبه لها الشيخ عبدالله وكانت بداية المعالجة بعد انتخابات 1993م عندما جاء الفقيد على رأس مجلس النواب ودخل الإصلاح في الائتلاف الحكومي فكانت فرصة للمعالجة وبدأوا في العمل وشكلت لجنة مشتركة وكان المنطلق من إصلاح الدستور .. للأسف بسبب المزايدات والحسابات الخاصة وصلت الأمور إلى مرحلة من الانفجار وجرت محاولات كثيرة للتهدئة منها تشكيل لجنة حوار والوصول إلى وثيقة لحل الأزمة وكانت هذه الوثيقة تحمل بعض الحلول الأساسية لقضية تثبيت الوحدة ورغم ما كان من ملاحظات عليها إلا أن الشيخ عبدالله كان قد اقتنع بها وليتم التوقيع عليها في عمّان وضع شرطا واحدا وهو عودة القيادات إلى صنعاء لأن عودتهم إلى عدن تعني بقاء الخلاف قائما وأن الانفجار قادم وهذا ما سعى من خلال الوثيقة لتجنبه وأن الوثيقة لن تكون مجدية لليمن والخروج من الأزمة .. بدأت الأمور تأخذ طريق التصعيد فوجد الشيخ عبدالله بأن الأمر في غاية الخطورة ولا بد أن يستعد الناس لمواجهة الموقف واستمرت محاولات تقريب وجهات النظر لكن التحركات العسكرية في الجانب الآخر كانت واضحة فكان من الغباء الانتظار فجند نفسه بكل ما يستطيع وكل من معه من أجل صمود وثبات الوحدة وكان عمله متواصلا ليلا ونهارا.
صلب لا يلين
كيف كان يدير عمله لمواجهة الموقف ؟
كما ذكرت لك يواصل الليل بالنهار ويعقد الاجتماعات واللقاءات من خلال مجلس النواب والقوى السياسية ووجهاء القبائل وكل الفئات على أساس اتفاق الجميع على بقاء الوحدة لأنه كان يرى فيها خير اليمن ووحدته واستقراره.
ذكرت ان ملاحظات كانت للشيخ عبدالله رحمه الله على بعض الأسس التي قامت عليها الوحدة .. هل واجه ضغوطا من قوى سياسية أو شيوخ قبائل للتخلي عن موقفه وفي النهاية أدركوا بأن ملاحظاته كانت في محلها ؟
في هذه القضايا أو المواقف تطغى النظرة القصيرة المدى على البعيدة وهو (رحمه الله) كان ينظر لمستقبل اليمن البعيد فلم تكون هناك ضغوط وانما نوع من الاستغراب وعدم فهم للموقف لكن عندما بحثت الأمور وبانت النوايا وجد الجميع بأن نظرته – رحمه الله – كانت الصائبة .. وهو من طبيعته عدم الإصرار على الرأي الواحد وانما يستمع للمشورة ويأخذ بالرأي الآخر الذي يرى أن فيه مخرجا من الأزمة وبدأ يعمل على الحلول الوسط لكنه في القضايا المصيرية الأساسية لا يتنازل عنها أو يتراجع عن مواقفه.
كيف كان يتابع سير المعارك ؟
من خلال غرفة العمليات التي أعدت خصيصا لمتابعة التقدم العسكري والتواصل مع القيادات في المناطق بصفة مستمرة ووجهاء المناطق الذين يدعمون القوات المسلحة وخطوطه كلها مفتوحة.
هل هذا يعني وجود غرفة عمليات قبلية بعيدا عن غرف العمليات العسكرية الرسمية ؟
لا .. كان العمل الأساسي في غرف العمليات التابعة لقيادة القوات المسلحة ولكن لا يوجد فرق في ذلك الوقت لأن الهدف كان انتصار الوحدة ولا يوجد مجال لأن يعمل الجميع بمعزل عن بعضهم البعض وانما كان المطلوب توحيد الجهود وتضافرها.
حدّته مع الشيخ زايد
الحرب قامت بعد الوحدة والفقيد الشيخ عبدالله الأحمر كرّس جهده للمحافظة عليها لتأتي الحرب وتهزم الانفصاليين .. لا بد أن مواقف تعرّض لها الشيخ عبدالله أثناء هذه الأزمة ؟
لا شك ان الحرب جاءت لتثبيت الوحدة وانتصارها على دعوات الانفصال والمواقف كثيرة لكنه – رحمه الله - معروف بهدوئه وصبره وتحمله ومن المواقف التي تذكر للشيخ عبدالله في زيارته للإمارات ولقائه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان – رحمه الله – كانت لدى الشيخ زايد معلومات تخالف وجهة نظر الشيخ عبدالله حول الانفصاليين وكان الشيخ عبدالله يدافع عن خط يرى أنه الذي يجب أن يسود في البلد وهو تثبيت الوحدة .. ورغم العلاقات القوية التي تربطه بالشيخ زايد إلا أنه دخل معه في جدال وبحدة غير معهودة من الشيخ عبدالله في مثل هذه المواقف.
وهل اقتنع الشيخ زايد ؟
كلنا نعرف الشيخ زايد من حكماء العرب لكن أولا وأخيرا الواقع يفرض نفسه وثبتت الوحدة وعادت العلاقات اليمنية الإماراتية إلى سابق عهدها وأصبح التعاون وثيقا وسدت الفجوة التي كانت موجودة ولله الحمد.
كانت هناك مبادرات من الرئيس اليمني لعودة بعض الانفصاليين .. ما هو موقف الشيخ عبدالله من عودتهم إلى اليمن ؟
قضية عودة اليمنيين إلى وطنهم لا أحد ينكرها وإذا ارتكب أي إنسان خطأ يجب أن يأخذ جزاءه بقدر الخطأ الذي ارتكبه أما الحرمان من العودة فلا أحد يقره.
أعود وأسألك هل كان الفقيد مؤيدا لهذه العودة؟
قرار عودتهم لم يكن منفردا إنما كان بالتشاور.
تحدثت مع أبناء الشيخ عبدالله رحمه الله عن فترة مرضه أنت شخصيا هل كنت ملازما له أثناء هذه الفترة الصعبة ؟
نعم من بداية مرضه إلى أن توفي حيث بدأت مؤشرات المرض في شهر نوفمبر 2005م ثم اتضحت الأمور في ديسمبر 2005م وبدأت مراحل العلاج في الرياض.
بعد ظهور المؤشر سألكم عن مرضه ؟
الشيخ عبدالله لمّاح فكان يعلم بأن لديه مرضا يجب الإسراع في علاجه.
كيف كان تقبله للأمر بعدما علم بطبيعة مرضه ؟
رجل قوي الإيمان وثقته بالله كانت قوية والى اللحظات الأخيرة لم يفقد الأمل وكان يأتي إلى اليمن ثم يعود لمواصلة العلاج وكان يرغب العلاج في جدة ولكن بحكم معرفتي بإمكانات مستشفى الملك فيصل التخصصي أقنعته بالذهاب إلى هناك وظهرت مشاكله الصحية على حقيقتها وبادرت بإخباره بطبيعة مرضه.
لم يستطع القيري مواصلة الحديث عن الفقيد ودخل في موجة من البكاء رغم محاولاته تمالك نفسه إلا أن تأثره بهذه المرحلة التي مرّ بها الفقيد جعلته يستعيد شريط الذكريات .. بعد أكثر من عشر دقائق عاد وقال : ردّ الفقيد بعدما أخبرته بطبيعة مرضه قائلا : ما جاء من الله حيّابه.. لكنه في نفس الوقت كان يسعى لأن يحصل على علاج لمرضه فلا أحد يستسلم والأطباء بذلوا كل جهودهم في محاولة للقضاء على المرض الخبيث الذي أنهك جسده.. وكانت كل الخيارات متروكة له ولأبنائه ولنا للسفر إلى أفضل وأرقى المراكز والمستشفيات الطبية العالمية ويكفي متابعة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز لحالة الفقيد أولا بأول من خلال الزيارات أو الاتصالات الهاتفية واجدها فرصة لتقديم الشكر والتقدير لكل المحبين في المملكة ابتداء من خادم الحرمين الشريفين وانتهاء بأصغر مسؤول .. الشكر لكل أبناء الشعب السعودي لتعاطفهم مع الشيخ عبدالله حيث اعتبروا مرضه مرضهم وبادلوه المشاعر الطيبة وزاروه للاطمئنان على صحته فحقيقة شعرنا بأننا بين إخواننا وهذا يؤكد ما ذهب اليه الفقيد حينما كان يؤكد بأنه يفتخر ويعتز بعلاقته مع المملكة ومسؤوليها.
كيف كان يتعامل معكم ؟
دائما كان يقول أنتم تحاولون أن تطمئنوني على أن صحتي جيدة أنا أعرف مرضي لكن روحه المرحة ظلت حاضرة وتربطه علاقة قوية بالأطباء الذين حضروا إلى صنعاء بعد وفاته للتشييع لأنهم اعتبروه صديقا وليس مريضا.
هل تستطيع أن تصف لنا آخر ساعات حياته قبل الوفاة ؟
ليلة العيد بدأت الأمور تسوء أكثر ونقلناه إلى غرفة العناية المركزة وبعد مرور يومين بدأ يتعرف على زواره ويسأل عن أحوالهم وشؤونهم ثم بدأت الانتكاسة من جديد وكان يشعر بمن حوله وحاضر الذهن في أكثر الأوقات لكنه لا يستطيع أن يتحدث معهم .. وأذكر أنه في اليوم الأخير عندما وصلت حالته إلى منحنى خطير لقناه الشهادة وكان يرددها بحركة اللسان وهذا من نعم الله عليه حتى أسلم الروح صباح يوم السبت رحمه الله.