في قضية الإسكان
مشكلة الإسكان هي مشكلة تواجهها كافة المجتمعات في مختلف الدول ومختلف الأنظمة الاقتصادية.
وبالرغم من الحلول الكثيرة الجيدة التي وُضعت لمواجهة قضية الإسكان وتم تطبيقها بكل نجاح، إلا أنها تبقى مشكلة جوهرية لجميع الحكومات، فالأمن الإسكاني هو أحد أهم عناصر الاستقرار للمجتمعات. والحقيقة أن قضية الإسكان ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقضايا اجتماعية ومدنية أخرى، مثل قضية الزيادة في تعداد السكان، وقضية التمدد والنمو العمراني غير المنضبط للمدينة، وقضية العشوائيات في المدن، وقضية الفقر، إلى آخر هذه القضايا التي تواجه المجتمعات. كما أن علوم الإسكان تشمل علومًا أخرى مثل الاقتصاد والتمويل وعلوم الإنسان والمجتمع.. إلى آخره. فإذا أردنا أن نعالج قضية الإسكان بطريقة علمية صحيحة، فلابد أن يكون العلاج شاملاً، بمعنى أن نأخذ في الاعتبار كل هذه القضايا التي تتصل بالإسكان.
وكما نعلم فلاتوجد في المملكة أية مشكلة في سكن الطبقة الغنية أو الطبقة فوق المتوسطة، بل فقط في ما يخص سكن الطبقة المتوسطة أو الطبقة الفقيرة. والمعلوم أن الطبقة المتوسطة هي في العادة عصب المجتمع وعموده الفقري، في جميع المجتمعات والدول. ومن الملاحظ أيضاً أن الطبقة المتوسطة في معظم الدول النامية، بدأت تتقلص وتنزلق إلى الطبقة دون المتوسطة. لذلك تصبح قضية الإسكان في تلك المجتمعات، ومجتمعنا في المملكة واحد منها، قضية ذات أهمية خاصة.
وتشير الإحصائيات إلى أن غالبية أفراد الشعب السعودي لا يمتلكون الوحدات السكنية التي يعيشون فيها، هذا بالرغم من جهود الحكومة منذ أكثر من ثلاثين عاماً المتمثلة في مشاريع الإسكان، وصندوق التنمية العقاري، وبرنامج منح الأراضي السكنية لمواجهة حاجة المواطنين إلى السكن الخاص، كما أن الجهات المختصة تقوم الآن بدراسة تطبيق نظام التمويل العقاري، وهو أمر جيد سوف يسهل حصول المواطن على السكن الذي يناسب ظروفه وإمكانياته ومتطلباته.
جميع هذه الجهود، وما قد يستجد منها في شؤون الإسكان، تحتاج إلى منسق قوي يستطيع أن يربط بينها ويقودها في إطار نظام موحد مرن قابل للتحديث لمواجهة قضية الإسكان في المملكة. ولا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يقوم بدور المنسق لهذه الجهود وإدارتها أفضل من الهيئة العليا للإسكان.
وقد أثبتت التجارب أن أخطر ما تواجهه المدن هو التوسع العشوائي وتمدد أطرافها دون ضابط أو رقيب. فكلما زادت رقعة المدينة، وزاد تعداد سكانها وازدحمت، قلَّت إمكانية إدارة المدينة بشكل أفضل، وزادت مشاكلها الإدارية والفنية والاجتماعية، وزاد العنف والجريمة والتلوث وعدم قناعة أو رضا سكانها. وهذا يؤدي بالطبع إلى تدهور الخدمات ومنها الخدمات السكنية. لذلك لابد من توجّه برامج الإسكان إلى إنشاء مجمعات سكنية جذابة وصحية للطبقة المتوسطة وطبقة ذوي الدخل المحدود ولمن يرغب من مختلف طبقات المواطنين، تتمتع بكافة الخدمات البلدية الرئيسية مثل المدارس والعيادات الصحية ومراكز صغيرة للأنشطة الرياضية ومحلات التسوق، وبالطبع بالحدائق الكثيرة والأماكن العامة النظيفة، إلى آخره.
وتستطيع الدولة أو الجهات المسؤولة عن الإسكان توفير المواقع الضرورية لهذه المجمعات النموذجية، ومنحها للمواطنين أو بيعها لهم بأسعار رمزية، ثم إشراكهم بعد ذلك في تصميم الوحدات السكنية التي يرغبون العيش فيها، وبيعها عليهم بالتقسيط المريح على أمدٍ طويل. وقد تعطي الأولوية للمتقدمين بطلب قروض صندوق التنمية العقاري أو غيرها من الأجهزة التي هيأتها الحكومة لمعالجة قضية الإسكان. ويفضّل أن تكون هذه المجمعات السكنية محدودة التعداد بما لا يزيد على عشرات الألوف من السكان على شكل مدينة صغيرة أو متوسطة الحجم، وأن تتمتع بما يشبه الاكتفاء الذاتي، أي أن يستطيع سكانها السكن والعمل والدراسة والحركة وقليلاً من الأنشطة الاستثمارية داخلها ودون الحاجة إلى مغادرتها إلا عند الضرورة. لذلك يفضّل أن تنشأ هذه المجمعات السكنية الجديدة خارج المدن الكبيرة، على شكل مدن حدائقية أو مدن تابعة Satellite Towns، وعلى مسافة معقولة من المدينة القائمة لا تسمح بأن تبتلع المدن الكبيرة هذه المجمعات مستقبلًا، بينما في نفس الوقت توفر إمكانية التردد بين المدينة الأم وبين المجمعات السكنية الجديدة بقدر من السهولة. هذه الفكرة طبقت بنجاح في بعض الدول، خاصة إنجلترا قبل وبعد الحرب العالمية الثانية لامتصاص الزيادة المخيفة في تعداد سكان المدينة (Overspill) وأيضًا لتوفير حياة اجتماعية أفضل داخل هذه المجمعات السكنية. ويحبذ في مثل هذه المجمعات تجنب فكرة الفيلا أو المنزل المنفصل عن أرض منفردة. فقد لوحظ أن أفضل حل لسكن الطبقة المتوسطة أو مادون المتوسطة هو المنزل الذي يلاصق منزلًا آخر أو أكثر ويفصل بينهما حائط مشترك واحد (Town houses)، أو الشقق السكنية في عمائر صغيرة محدودة الارتفاع (من ثلاثة إلى أربعة طوابق) ولا تحتاج إلى مصاعد (walk-up apartments). فهذه الأنماط من الوحدات السكنية ترفع من فاعلية استغلال الأرض بصورة أفضل، كما أنها تدعم الحياة الاجتماعية والألفة في المجمع السكني، و تزيد من درجة الإحساس بالأمن والأمان لدى السكان.