سمير عابد شيخ
«خصخصة» الحروب الأمريكية !
لعلّ من أبرز «المدارس» الاقتصادية الرأسمالية، مدرسة «ملتون فريدمان» الذي تقلّد مناصب استشارية لرؤساء أمريكيين سابقين ولديه نفوذ فكري واضح. ينادي «فريدمان» بإطلاق سراح «الرأسمالية»، واطلاق حرية القطاع الخاص الى أقصى مدى يسمح به!.
ومعلوم أنّ اليمين الجمهوري الأمريكي -أمثال جورج بوش- هم أكثر المتحمّسين لهذا التوجّه. والفكر الغربي بصفة عامّة منظّم حتى في تحقيق مصالحه. فهو «يلعب» حسب النظام بعد ان يكتب بنود النظام بيديه! وعلى ساحة صناعة الأسلحة والمجهود الحربي الأمريكي، يتنامى الخوض في خصخصته حتى تكاد تتلاشى حدود سيادة الدولة ومصلحة القطاع الخاص. مـن أبرز مظاهر هذه الخصخصة هيمنة شركات أمثال «كارلايل» و«بلاكووتر» و«هاليبيرتون» وغيرها على ساحة القطاع الحربي الأمريكي.
ولنبدأ بشركة «كارلايل» الأكثر غموضا بين الشركات المذكورة. هذه الشركة هي مؤسسة استثمارية خاصّة وليست مفتوحة للعوام، بل تستقطب أموالها من أثرياء العالم فحسب. ولكونها مؤسسة خاصّة، فهي تحظى بقدر من السرية كونها لا تخضع لأنظمة الشفافية كمثيلاتها من البنوك الاستثمارية. هذه الشركة تعتبر تجسيدا فعليا لما يطلق عليه المراقبون «المثلث الحديدي»! الزاوية الأولى بالمثلث هي قطاع الصناعات العسكرية، وهو قطاع خاص لا تمتلكه الحكومة الأمريكية، الزاوية الثانية هي وزارة الدفاع «البنتاجون»، أمّا الزاوية الثالثة فهي صانعو السياسة الأمريكية، ولعلّنا نضرب مثلا حقيقيا على متانة هذا المثلث الحديدي!.
فعندما تنتهي فترة خدمة وزير دفاع أمريكي مثلا، تستقطبه «كارلايل» ليعمل عضوا أو حتى رئيسا لمجلس ادارتها. فـيقوم ذلك الوزير السابق -والذي سبق له ان رسم استراتيجية وزارته- بتوظيف معلوماته لتوجيه استثمارات الشركة. وعليه تقوم هذه الشركة بالاستثمار بعمق وقوة في المصانع العسكرية وتؤثر في خيارات تلك المصانع بما يتّسق مع استراتيجية وزارة الدفاع كما وضعها وزيرها السابق. ولقد سبق أن طوّرت احدى شركات «كارلايل» صاروخا سموه «الصليبي» (the crusader)!
ومنذ تأسيسها تطوّرت أنشطة الشركة لتتفاعل مع القرارات العسكرية في أمريكا وخارجها! فلا عجب اذن أن ترى رؤساء جمهوريات ورؤساء وزارات سابقين من الدول الصناعية وشرق آسيا يعملون بمناصب اشرافية واستشارية لديها. اضافة الى المعلومات القيمة التي يسدونها، يقوم هؤلاء السياسيون المخضرمون بدور «فاتحي الأبواب» لأثرياء العالم لاستثمار أموالهم بالشركة.
أمّا شركة «بلاكووتر» اي «المياه السوداء»، فهي تستحق هذا الاسم بجدارة. بل من الأولى أن يطلقوا عليها اسم «الدماء السوداء»! فهذه الشركة هي أقذر ما تصدّره الادارة الأمريكية اليوم الى العالم الخارجي. فهي تقوم «بتجييش» الجنود والضبّاط المرتزقة وتبعثهم الى العراق وأفغانستان وحتى بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا، للانابة عن الجيش الأمريكي في القيام ببعض العمليات «الخاصّة» التي تخرج عن اطار محاسبة الجيش أو المحاكمات العسكرية. فهي التي قامت في أكثر من مناسبة بإطلاق النار جزافا على المواطنين العراقيين العزّل، ممّا أثار غضب الحكومة العراقية وإلغاء تراخيصهم.
وجنودهم الذين يطلقون عليهم اسم «متعاقد» (contractor) لتغليف حقيقة اعمالهم، هم الذين يقومون بعمليات «التعذيب» التي لا تجيزها لوائح الجيش الأمريكي أحيانا. بل إنّهم حتى متهمون بانتهاك أعراض بعض المجندات منهم، لمعرفتهم بأن المحاكم العسكرية لا تستطيع الوصول اليهم. ولحسن الحظ، فلقد بادر بعض أهالي المرتزقة «الأمريكيين» برفع قضايا على هذه الشركة لمخالفاتها الشنيعة. وقد يتعجب القارئ الكريم ان هذه الشركة أصبحت «تصنع» أسلحة خاصة بها مثل ناقلات جنود وغيرها! تلك هي أقبح صور «الخصخصة» والرأسمالية الأمريكية المتطرّفة!.
Samirabid@Yahoo.com