ورقة ود
جهير بنت عبدالله المساعد
مدن وعواصم في ذمة التاريخ
مكة المكرمة قبلة المسلمين قاطبة، وأهم مدينة في عالمهم.. وأقدس بقعة على أرضهم، ولا يوجد منذ القدم في العالم مكان كـ«مكة» يجمع بين عراقة التاريخ وانسانيات الحضارة البشرية في اتساق وانسجام، وليس جديداً عليكم أنها أم القرى، ولا جديد أنها «بكة» الاسم الذي خصه بالذكر القرآن العظيم، ولا جديد عليكم أنها البلد الحرام، وأنها مهبط الوحي وحضن الحرم الشريف.. والمكان المصطفى في الدين والدنيا، والمكان المشتهى عند عموم المسلمين في شتى بقاع المعمورة، وبعد كل هذا.. ومع كل ذلك.. لا يحس الداخل إليها ولا يرى بالعين المجردة عراقتها الضاربة في عمق التاريخ.. لا يراها غير أنها مدينة عصرية يحيط بحرمها المقدس البنيان الشامخ، وتحولت كل اتجاهات الحرم الشريف إلى مواقع سكنية شاهقة ومتراصة ومستغلة كل المساحات كل ما فيها يغلب عليه التحديث والتطوير والتوسيع والتجديد.. والتقدم العمراني.. ولا بأس، لكن أين العراقة والأصالة وقديمها الزاخر وتاريخها العتيق..! إذا ما قرأت أيها الكريم المجلد المنشور برعاية دارة الملك عبدالعزيز تحت عنوان (صفحات من تاريخ مكة المكرمة) سوف تُبهر وتندهش وتُسحر من كمية المعلومات الوافرة عن مكة في قديمها وتاريخها البعيد وإذا ما نظرت إلى الواقع لابد أن تسأل عن ذلك التاريخ ولماذا لم يعد له متحف يليق به ولا مركز ثقافي فعال، ولا قاعدة لحفظ المكنون التاريخي لمكة المكرمة، والمدهش أكثر أن الكتاب القيم من تأليف (سنوك خرونيه) ونقله إلى العربية الدكتور علي عودة الشيوخ.. وهو من أجمل الكتب الصادرة بمناسبة مرور مائة عام على التأسيس بمعنى أن جهود البحث في توثيق عراقة أقدس بقعة لم يبذل الجهود فيه غير المستشرقين أو الرحالة الأجانب وقد قاموا بهذه الجهود قبل غيرهم وأكثر من غيرهم وظل عربنا يستقون المعلومات التاريخية من كتب هؤلاء..
انتقلوا معي إلى «الرياض» مدينة باتت غير معروفة سابقاً تاريخها المحاط بالحداثة من كل اتجاه لم يسلم من التغطية عليه بحجب العصر المطور، رغم وجود المعالم المسماة (ساحة العدل) وبعض مكنون تاريخها الحديث غير أنها بعيدة كل البعد عن ما أريد الحديث عنه! فالرياض من أقدم العواصم وجوداً وتاريخاً لكن لم يعد يميزها غير الشوارع الفسيحة والأبراج العالية والعمائر الاسمنتية المخصصة كأسواق ومراكز تجارية!
أذكر أني كنت أعرف (قصر المربع) قبل دخولي المرحلة المتوسطة.. وعندما دخلتها اكتشفت أني أعرفه ومعلمتي لا تعرفه ولم أعرفه لأني كنت أقرأ في تلك السن الصغيرة، بل لأن أبي رحمه الله كان معلمي!! اليوم طلبة الجامعة لايعرفون أي إشارة عما تعنيه عبارة «قصر المربع» ناهيك أن يزوره المقيم أو يسافر إليه محبو المعرفة والسياح، (الدرعية) كانت ولازالت في التاريخ مدينة أثرية لكن لا أحد يعرفها غير أن فيها «استراحة» خويّه أي صديقه!! كم هو مؤسف أن نكون ممن يدفنون التاريخ أو ممن يغطون تاريخهم عن العيون!!!