سمير عابد شيخ
الانتخابات الأمريكية والتلويح المائي
بما أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية تعتبر المركز الاقتصادي والسياسي والعسكري للكرة الأرضية، وجب علينا أن نتابع مجريات الأحداث هناك لنعلـم اتّجاهات الرياح الأمريكية ولربما التعامل معها! ولا شكّ أنّ الانتخابات الأمريكية تعتبر من أبرز الأحداث الأمريكية التي لا فكاك من متابعتها.
فخلال الأسبوع الأخير من نوفمبر الماضي، قامت شبكـة «سي.ان.ان» الاخبارية باستضافة حوار مرشحي رئاسة الحزب الجمهوري الأمريكي. وخلال فترة الأسئلة، اتّصل طالب جامعي يسأل المرشحين عن رأيهم في عمليات «التلويح المائي» (waterboarding)! وكأنّ الطالب الجريء فـجّر قـنـبـلة موقوتة وليس سؤالا بريئا! فلقد انتقل الحوار الى جدل محموم خصوصا بين اثنين من مرشحي الرئاسة الأمريكية.
وبعد أسابيع قليلة انتقلت حمّى هذا الموضوع الى مرشـحي الكونغرس الأمريكي. فلقد هاجمت احدى المرشحّات أعلى رأس في الكونغرس واسمها «نانسي بيلوسي»، وكان الدافع للهجوم انّ جريدة «الواشنطن بوست» قالت إنّ السيدة «بيلوسي» لم تعترض على وسائل تعذيب وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي.آي.اي» خصوصا وسيلة «التلويح المائي». هذا فيما أصرّت الوكالة على مشروعية هذه الوسيلة وتقديم الاعترافات التي تحصل عليها تحت هذا التعذيب كدليل في المحاكم الأمريكية.
وخلال متابعتي اللاحقة للأحداث السياسية الأمريكية، لاحظت تكرار هذه القضية بعديد من وسائل الاعلام. ولهذا أصبح لزاما ان أبحث قليلا في فحوى هذا النمط من التعذيب. وبالعودة الى أصل «المصطلح»، وجدت أنّه يصف طريقة تعذيب تفتعل «اغراق» المتهم في البحر ولكن داخل جدران السجن! يعود الفضل في هذه الوسيلة للسلطات الأسبانية التي استحدثته خلال حقبة محاكم التفتيش التي شوهت التاريخ الأسباني.
ولأن تاريخ البشرية مليء بالقسوة والتعذيب، لم أجد مبررا لهياج الشعب الأمريكي بهذه الطريقة حتى شاهدت «فيلم فيديو» عن حقيقة «التلويح المائي». فلقد كان بطل الفيلم ضابطا أمريكيا يدرّس خطوات التعذيب هذه للمحققين. فلقد توجهت عدسة «الكاميرا» على متهم يقوم المحقق باحكام وثاقه عند قدميه وخاصرته وقدميه على لوح معدني صلب. ثم يقوم الجندي المحقق بأخذ «منشفة» جافّة ودفعها بقسوة وبالتدريج داخل فم الضحية الى أعمق مجرى الهواء حتى كاد الضحية أن يختنق. وبعد ان بلغت المنشفة أقصى ما يمكن، أخذ الجندي يصب الماء على «المنشفة» تدريجيا حيث أخذ الماء بالانزلاق الى جوف الضحية، وجسد المتهم يهتز بعنف وهو يقاوم الماء ويبحث عن ذرّة واحدة من الأكسجين تنقذ حياته.
وقبيل أن يلفظ الضحية نفسه الأخير، يتوقف الجندي وتبدأ عملية الاستجواب، فاذا لم يقدّم المتهم الاجابة المطلوبة، يثبته المحقق ثانية ويحضر له «ربطة» من الأوراق البلاستيكية الشفافة، ويلفّها بقوة حول رأسه حتى يوشك ان يمتنع عنه الهواء! ثم يثقب ثقبا صغيرا مقابل الفم، فيتنفس المسكين هنيهة ليجد أنبوب ماء بلاستيكياً «لي» يدفع من خلال الثقب، فيندفع الماء بقوة الى جوف المسكين. عندها يهتز جسد المسكين بعنف حتى يفقد سيطرته على عضلات جسده، وتشتم رائحة الفضلات من جسده ويهمد كجثة دون حراك! ومن أقبح ما قال الضابط بعد ذلك: أن رائحة فضلات المتهم (النتنة) هي دليل انتصار المحقق!
وبعد مشاهدة الفيلم والاستزادة من المعلومات، عدت الى أقوال بعض المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة. فوجدت مثلا أن أحدهم وهو «ميت رومني» كان يقول بأنه لا يستطيع ان يجزم بأن عمليات «التلويح المائي» تعتبر تعذيبا! وللأمانة فان شرائح كبيرة من الشعب الأمريكي أمست تتقزز وتخجل من هذه الممارسات «الحيوانية». وكم أتمنّى أن تقوم هيئة حقوق الانسان لدينا بضم صوتهم الى أصوات الضمير الحر الأمريكي لتستنكر ايقاع هذا التعذيب الفظ على المعتقلين في السجون الأمريكية خارج حدودها، خصوصا أن معظم هؤلاء من اخواننا المسلمين.
Samirabid@yahoo.com