يتهيأ العالم بأسره لوداع 2007 واستقبال عام جديد. وكالعادة هناك من يحاول استشراف المستقبل بطريقته الخاصة, فيلجأ البعض لكتب العرافين والمنجمين والفلكيين, التي تهدف جلها إلى الربحية لأن المستقبل لا يعلمه إلا خالق الكون وعالم الغيب. لكن هناك مؤشرات يمكن من خلالها استقراء الوقائع والأحداث الماضية وتأثيرها على الأحداث المستقبلية لاسيما في الشأن السياسي. ويمكن القول إن السياسة العالمية ترتبط بشكل كبير بما يدور في كواليس البيت الأبيض الأمريكي, ولا غرو في ذلك فأمريكا هي مركز الجاذبية السياسية في العالم خلال العقدين الماضيين.
إن أهم الأحداث السياسية التي ستحملها السنة القادمة هي كونها السنة الأخيرة للإدارة الأمريكية الحالية. هذه الإدارة التي حملت سنواتها السبع الماضية الكثير من المتغيرات السياسية للعالم بأسره, فتركت إرثاً سياسياً وثقافة عمل لم تكن مألوفة في السابق, قوامها الاستخدام المفرط للقوة العسكرية والتدخل في شؤون الدول الأخرى خارج إطار الشرعية الدولية. وأصبحت المؤثرات والقيم الفردية والمصلحية الضيقة تؤثر بشكل غير مسبوق في صنع السياسة العالمية.
من المتعارف عليه أن

بدأ المعسكر المتشدد يخسر نقاط قوته وتتساقط رموزه وبدأ تيار المعتدلين يزداد حضورا

السنة الأخيرة تكون مضماراً للتنافس الداخلي بين المرشحين حيث تتراجع فيها أهمية الشؤون الخارجية كثيراً أمام الاستحقاق الانتخابي الداخلي. لكن كما هو معروف فإن الرئيس الأمريكي الحالي سوف يغادر البيت الأبيض في جميع الحالات وهذا قد يجعله يتحاشى نسبياً مخاض الحملات الانتخابية, رغم أنه لن يكون بعيداً عنها. إن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل سيكون العام القادم مثيراً كسنوات حكم الرئيس بوش الماضية؟ أم أنه سوف يكون أكثر هدوءاً وتركيزاً؟
فعلى الصعيد الداخلي الأمريكي بدأ المعسكر المتشدد يخسر نقاط قوته مع تساقط الكثير من رموزه في الفترة الأخيرة وبدأ تيار الواقعيين والمعتدلين يزداد حضورا على ساحة صنع القرار الأمريكي مما أنعكس بشكل واضح على السياسة الخارجية الأمريكية. حيث بدأت أمريكا تدرك محدودية إمكانياتها كقوة عالمية, وأنه ليس بوسعها تغيير العالم وفق تصوراتها المؤدلجة المتشددة التي تنبع من مصالح قومية ضيقة. وأعتقد أن هذا النهج الموضوعي سوف يسيطر نسبياً على السياسة الخارجية الأمريكية للعام القادم. لأن الحزب الجمهوري بحاجة إلى أي نجاحات خارجية تدعم موقفه أمام الناخب الأمريكي.
وقد رأينا بوادر هذا التغير من خلال مؤتمر انابوليس للسلام رغم تضاؤل حظوظ نجاحه, في نفس الوقت الذي رأينا فيه تحسناً للوضع الأمني في العراق ومحاولة أمريكية للوصول إلى تفاهم مع دول الجوار العراقي. حيث تم فتح حوار مع ايران وبدرجة أقل مع سوريا. هذا بطبيعة الحال سوف ينعكس على معالجة القضايا والملفات الإقليمية, التي تشمل أيضاً الملف النووي الايراني وقضية دارفور والمسألة اللبنانية وغيرها.
وقد شاهدنا بوادر تغير في الموقف الأمريكي تجاه ايران من خلال تقرير التقييم الاستخباراتي لبرنامج ايران النووي الذي كان مفاجئاً للجميع. خاصةً أن بعض المثقفين والمحللين العرب يتخوفون من صفقة أمريكية ايرانية حول النفوذ الإقليمي, التي إن حصلت سوف يكون الخاسر الأكبر فيها الدول العربية. لكننا نستبعد مثل ذلك, لأن الأمر يدور حول إخفاق أمريكي في إدارة شؤون المنطقة من خلال منطق القوة, بالتالي هي تبحث عن مخرج لها يضمن لها أقل الخسائر السياسية في وقت تمر به السياسة الداخلية الأمريكية بمرحلة حسم مهمة.
knhabbas@hotmail.com