زاوية منفرجة
جعفر عباس
الحظ يأتي لذوي الوعي.. غالبا
عندما تسمع شخصا يتحدث عن آخر باعتبار أنه محظوظ، فإن في ذلك شبهة أن المتكلم يعتقد ان صاحب الحظ الحسن والطيب لا يستأهل.. فالحظ مجموعة او تراكم لأشياء وأفعال وأقوال تنتج عنها فرص معينة، وهناك من يحسن قراءة تلك الفرص للاستفادة منها على الوجه الأمثل وقد ينجح في مسعاه، ويسمى محظوظا، وهناك بالمقابل من تواتيهم فرص معينة فيترددون حيالها او يجبنون، فتضيع عليهم بكل احتمالات النجاح او الفشل، فيقضي دهرا طويلا ينعى حظه الزفت، متأسيا بقول الشاعر السوداني الراحل إدريس عبد الله جَمَّاع: إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه/ ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه.. طبعا هناك في مجتمعاتنا أناس يحملون لقب «محظوظ» لأنهم فازوا بوظائف او مناقصات عن غير استحقاق.. شخص كهذا يستثمر العلاقات التي توصل الى غايات معينة، ليس محظوظا فمصيره ومستقبله معلق بمصائر من أوصلوه الى حيث هو الآن.. وكم من كبير ومدير طار وارتفع ثم وقع، و«ما حدش سمَّى عليه» أو تحسر عليه. تحدثت بالأمس عن الأطباء وأخطائهم التي قد تكون قاتلة، ثم أوردت نموذجين لأطباء أخطأوا ثم راجعوا أخطاءهم فعاد ذلك على البشرية بكسب كثير وفير غزير.. كان د.بارنت روزنبيرغ استاذ الفيزياء في جامعة ميتشيغان يدرس تأثير المجال الكهربائي على نمو الباكتيريا، عندما لاحظ ان الباكتيريا تتوقف عن الانقسام والانشطار عند دخولها الحقل الكهربائي... (الرجل مدرس فيزياء وليس له علاقة بالطب او علم الأحياء بفروعه المختلفة).. واصل التجارب مستنتجا ان التيار الكهربائي تسبب في تفاعل كيمائي بين عنصر البلاتين الذي في قطبي الكهرباء وبعض المواد المغذية في السائل الذي كان يحوي الباكتيريا.. وكما ان الطبيب السوداني مصطفى عبد الله محمد صالح فكر «لماذا ليست هناك معدلات عالية للإصابة بالصرع في السودان؟» ثم استنتج ان ذلك بسبب إدمانهم الفول، وجاء استنتاجه صحيحا، فإن روزنبيرغ جلس يفكر: هذه العملية التي تمنع انشطار الخلايا قد تكون مجدية في وقف تكاثر الخلايا السرطانية.. وبمزيد من التجارب تأكد له صحة استنتاجه، وبهذا اصبح مدرس الفيزياء هو مكتشف ما يعرف بـ«سيسبلاتين» وهو العقار الذي قوامه البلاتين ويستخدم منذ عام 1978 بمسمى العلاج الكيميائي للسرطان.
سقوط تفاحة جعل آيزاك نيوتن يتوصل الى قانون الجاذبية، وعاملة في مزرعة أبقار هي التي أبلغت العالم البريطاني إدوارد جينر، أن العمال الذين يتعاملون مع الأبقار المصابة بالجدري لديهم مناعة ضد الجدري البشري فتوصل الرجل الى مصل الجدري الذي جعل المرض يختفي نهائيا من عالمنا المعاصر.. ونحن اخترعنا الكفتة بشكل اسطواني، وأعاد الامريكان اختراعها مفلطحة ومسطحة بمسمى البيرغر فهجرنا الكفتة.