د. رشيد بن حويل البيضاني
نعم.. ثمة فجوة
استشاري امراض القلب الوحيد بمستشفى حائل، اصيب بأزمة قلبية، هكذا قرأت الخبر في احدى الصحف، وتأملت ملياً فيما وراء الخبر، فالخبير الذي يعالج المئات من مرضى القلب، لم يستطع دفع الأذى عن قلبه، يا سبحان من خلق هذه المضغة، وأسكنها من الأسرار مالا يعلمه إلا الخالق جل شأنه. تأملت الخبر، وأعدت قراءته عدة مرات، وتدافعت إلى ذهني خواطر وأفكار شتى، متباينة الاتجاهات، فالخبر على المستوى الطبي يثير الدهشة، فمن الطبيعي أن يوالي هذا الطبيب مرضاه بالنصائح التي من شأنها أن تحفظ سلامة قلوبهم، وأدائها لوظيفتها على نحو سليم، فهل نصح هذا الطبيب المريض نفسه بما ينصح مرضاه؟ أم أن ثمة فجوة قائمة بين اقوالنا وممارساتنا؟! وهل يمكن لمثل هذا الخبر أن يفقد الناس ثقتهم بالطبيب المعالج، الذي لم يفلح في علاج نفسه، أم يزيدهم إيماناً بأن ارادة الله تعالى لايمكن ردها، مهما أوتي المرء من علم وحصافة؟ البعض يظن انه بحصوله على بعض العلم، قد أصبح في منأى ومأمن من قدر الله تعالى، مع انه سبحانه يقول لنا «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة»، وأننا مهما تمكنا من أسباب التقدم والعلم، فنحن أقزام امام العلم الإلهي، وهو القائل «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا». منذ شهور قليلة مضت، توفي احد اعلام الجراحة لا في وطننا فحسب، بل في العالم، الدكتور احمد شفيق، اثناء اجراء عملية جراحية في قلبه، ومنذ شهور قليلة نجح الأطباء في الولايات المتحدة في نقل قلب لأحد رجال الأعمال المشهورين، ورأيته بالأمس يتحدث في إحدى القنوات ولاتبدو عليه آثار ما مر به من معاناة، وقد سمعته من قبل يتحدث عن رحلة نقل قلب من آدمي لايعرفه، إلى صدره، وما كلفه ذلك من ملايين الدولارات.
يا الله، كم وهبتنا من نعم، نتمتع بها في كل لحظة، وننسى تأدية شكرها. نقل قلب، وهو جزء صغير لايتعدى قبضة اليد في حجمه، يكلف الملايين، فكم يكلف كل عضو من اعضاء الجسد، وكم يكلف الجسد كله، ذلك الجسد الذي يقضي عليه الإنسان بسوء الاستخدام من جانب، وبالعدوان من جانب آخر. كم من الأجساد ابادها الانسان بجهله وغطرسته، وهو لايدري انه اهلك المليارات. اعود للقلب مرة اخرى، واتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وانه جوهر المرء، فإذا صلح، صلح الانسان كله، وإذا فسد، فقل على الإنسان السلام.
فكم من البشر يملكون قلوباً حانية رحيمة طيبة، امتلأت بالإيمان والحب والخير، وكم من البشر أيضاً يملكون قلوباً قاسية سوداء، فاضت بالشرور، امتلأت بالحقد والكراهية.
البعض قد انار الله تعالى قلوبهم، وعمرها بالإيمان، والبعض الاخر عميت قلوبهم، نعم، فمن القلوب من يفقد نعمة البصر والبصيرة «فإنها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور». أفكار كثيرة تراودني حول هذا الذي يسمى بالقلب، فكم من عشاق ابدعوا لنا روائع الأدب العربي والعالمي، عندما تملك الحب بكل صنوفه وألوانه من قلوبهم، فللقلب إذن تدين الآداب بنصيب كبير من وجودها، كما يدين الإنسان نفسه بوجوده له. والقلب مصدر من مصادر الفهم والتنوير والاستنارة، والبعض والعياذ بالله لهم قلوب لايعقلون بها، وقد اصبحوا كالانعام، بل هم اضل، لأنهم فقدوا تلك النعمة التي غرسها الله تعالى فيهم، نعمة القلب الواعي المدرك، الذي يتدبر آيات الله من حوله، فيقر بها، ويعترف بخالقها، ولايكابر، ولايجادل، ولايكون من الذين ضرب الله على قلوبهم، فأصبحت كالحجارة، لاتلين لذكر الله، ولاتخشع لكلماته. لو واصلت الكتابة حول هذا الجزء الصغير من الجسد، والمسمى بالقلب، وما يثيره في النفس من معانٍ، ما توقف القلم، إلا مع توقف القلب، وكل ما أرجوه أن ينير الله تعالى قلوبنا، وان يعمرها بالإيمان والتقوى، وان يحفظها من أمراض الدنيا والدين. بقي أمام ذهني سؤال حائر لم أجد له اجابة: كيف لمستشفى كبير، يعالج المئات، بل والآلاف من مرضى القلب، وهم كثيرون، كيف لايكون فيه إلا استشاري واحد؟ أهو استهانة بأهمية هذا الجزء الحيوي من الجسم؟ ام انه هفوة من المسؤولين والقائمين على امر المستشفى؟ اللهم لاتجعل قلوبنا بأيدي عبادك، أنت خالقها، فاحفظها، وثبتها على دينك. لم تنته بعد اسرار القلب، واسألوا العشاق.
Dr-rsheed@hotmail.com