طموح الدول ورفاهية المواطن
للمواطن في البلاد العربية متطلبات لا تختلف عن متطلبات أي مواطن في الغرب أو الشرق, من حيث العيش بسلام ورفاهية الحياة. هذان المطلبان يتحققان من خلال ما يسمى بالتنمية المحلية, أو ما يعرف بتنمية المجتمعات المحلية. لكنهما يمكثان, للأسف الشديد, في الأولويات الثانية من الاهتمام, لا لعدم اكتراث المعنيين بتنمية بلدانهم العربية, وإنما بسبب انشغالهم بالملفات السياسية الساخنة من جهة, وتارة بسبب غياب المنهج التنموي الذي ينبغي اتباعه أو عدم تبلوره أو ارتباكه بين المنهجين الرأسمالي والاشتراكي, وتارة لغياب التخطيط التنموي المتكامل, وتارة لعدم وجود البنية التحتية التي تؤهل البلدان العربية للتنمية.
ليس المراد بالتنمية في هذا المقال, تلك السياسة التي تلجأ إليها الدول النامية لكي تتخلص من التبعية الاقتصادية للأجنبي, وتتحول من الإنتاج البدائي إلى الإنتاج التصنيعي, وبالتالي توجيه الموارد المالية والبشرية نحو زيادة الإنتاج القومي, ومتوسط إنتاج الفرد في المجتمع. أي ليس الهدف التنمية الاقتصادية التي تؤدي بالضرورة إلى تنمية اجتماعية شاملة. على العكس من ذلك, فالمقصود تبني مناقشة المعوقات التي تواجه التنمية الإنسانية والاجتماعية أولاً وأخيراً, وأعتقد بأنهما بمثابة المدخل الحقيقي لنجاح التنمية الاقتصادية والسياسية. فسلام ورفاهية المواطن يمكن تحققهما عبر تجاوز تلك المعوقات. من جهة أخرى تتمكن الدول الطامحة في العالم الثالث من تحقيق أهدافها التنموية العامة إذا ما اعتمدت على تنمية الإنسان والمجتمع كخارطة طريق للتنمية الشاملة. فسنغافورة على سبيل المثال تأتي في المرتبة الخامسة بعد سويسرا وفنلندا والسويد والدنمارك بالتوالي في قائمة «المنافسين-المتنافسين» القائمة على مؤشر التنافسية العالمية الذي وضعه خبراء المنتدى الاقتصادي العالمي - دافوس-. فتعداد سكان سنغافورة 4 ملايين نسمة مقابل 130 مليار دولار في مستوى الدخل القومي الإجمالي (حسب تقرير البنك الدولي عن التنمية في العالم 2007), وبلغ مستوى الدخل الفردي 29,7ألف دولار, واحتلت المركز الثالث, بعد الدنمارك والسويد, في مؤشر الجاهزية التكنولوجية «Technological readiness». لم تعد الدول تُقاس بحجمها الجغرافي وتعدادها السكاني فقط, بل هناك اعتبارات أخرى تُقاس بها الدول وترفع من رصيدها السياسي, وقد يصبح لها موقع اعتباري وسياسي أو اقتصادي أكبر مما تتوقعه الدولة ذاتها. المقاييس التقليدية لم تندثر كالمساحة الجغرافية, الكثافة السكانية, قوة الجيش النظامي والاحتياطي والمؤسسة العسكرية, موقع الدولة الجيوسياسي, حجم الميزانية والناتج الوطني العام, الفائض أو العجز, طبيعة المنتجات الوطنية وحجم الصادرات أو الواردات, التماسك الداخلي... ولكن دخلت مقاييس أخرى, كمؤشر التنافسية أي موقع الدولة بين المتنافسين, ومؤشر «الميزة المطلقة» للدولة مثل: شركة نستلة في سويسرا, نوكيا في فنلندا, إريكسون في السويد, دانو في الدنمارك, ومؤشر مستوى نصيب الفرد من الدخل القومي, ومؤشر القدرة على الابتكار, ومؤشر الجاهزية التكنولوجية ومستوى الإنفاق على البحث العلمي...
وقد برزت في الأفق مجموعة من الدول الطامحة في العالم الثالث لتبني تلك المؤشرات التي سيكون مردودها المباشر على الإنسان والمجتمع فيها مثل سنغافورة وماليزيا والهند وهونج كونج وكوريا الجنوبية في آسيا, وبصورة أخرى ونسب مئوية مختلفة تسير نحو ذلك البرازيل والأرجنتين وشيلي في أمريكا اللاتينية, ولكن ببطء ملحوظ...
طموحات الدول قابلة للتحقق. ورفاهية المواطن قابلة للتحقق أيضاً. المطلوب أن تتبنى الدول السعي الفعلي نحو انجازات ملموسة على صعيد تلك المؤشرات التي ترفع من مكانة الدول السياسية والاقتصادية, بل أمست تؤثر في العلاقات الدولية والإقليمية استراتيجياً. ولكن هل يتحقق هذا الأمر من غير خطوات عملية تجاه معالجة الفساد المالي والإداري وتفعيل الإصلاحات الشاملة للقوانين والنظم؟
ص.ب 2421 الدمام 31451 - kshabib@hotmail.com