عبدالرحمن بن عبدالعزيز العثمان
ماذا يعني تراجع أمريكا عن مشاريعها الشرق أوسطية ؟ (2-1)
بعد نحو أربع سنوات من الاجتياح الأمريكي للعراق، لم يعد من الصعوبة تشبيه هذا الاجتياح بمثيله العراقي للكويت الذي تم في أغسطس 1990، ولكي تتضح المقاربة بشكل أكبر فإنه يمكن القول دون أدنى مواربة إن النفط شكل القاسم المشترك بين الاجتياحين: تطلع عراق صدام حسين لنفط الكويت، وتطلع أمريكا بوش لنفط العراق! لذا فإن إدارة بوش عندما بدأت تروج لاحتلالها للعراق بأنها تهدف إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير بدءاً من العراق، فإن أحداً لم يمكنه تصديق هذه الأكذوبة، خاصة بعدما آلت إليه الأوضاع في العراق الذي تحول بعد تلك السنوات الأربع إلى أطلال وأنقاض وخراب، وبعد أن نهبت ثرواته أمام أنظار الشعب، وبعد أعمال القتل والتشريد التي أصبحت حالات ملازمة لعراق ما بعد صدام حسين، وبعد أن مزق الجوع أحشاء الشعب وتزايد الدمار دون أن تظهر في الأفق أية بوادر حقيقية للانفراج.
هذه إذن سياسة أمريكا التي جعلت الشعب العراقي يغرق في مستنقعات الدم، وجعلت من أرض الرافدين ساحة لتصفية حسابات واشنطن مع بعض الدول المعارضة لسياستها، وبؤرة الإرهاب الذي ازداد ضراوة بعد هجمات 11 سبتمبر بسبب انصراف واشنطن عن مهمتها الرئيسة في أفغانستان وتحولها نحو أهداف أخرى ليس لها علاقة بالحرب على الإرهاب، وإنما تتعلق بالدرجة الأولى بمصالحها النفطية.
بيد أن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهيه السفن، ذلك أن السياسة الأمريكية التي وصلت في ازدواجية معاييرها وغرابة مشاريعها، التي يعتبر الشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة من أبرزها، هذه السياسة ما لبثت أن وقعت في شر أعمالها عندما بدأت الحقائق المريرة تتكشف أمام إدارة بوش، وحيث تمثلت أكبر تلك الحقائق في ازدياد موجة الكراهية لأمريكا التي تخطت منطقة الشرق الأوسط الكبير لتشمل العالم كله. وقد أدت أخطاء تلك الإدارة وفشل مخططاتها إلى جملة من التطورات في السياسة الأمريكية تعكس سبع سنوات من الفشل غير المسبوق في تاريخ هذه السياسة. أكبر مظاهر فشل المخططات الأمريكية وبداية إذعان إدارة بوش لسياسات الأمر الواقع تمثل في صدور تقرير مجلس أجهزة المخابرات الأمريكية بعنوان «القدرات والنوايا الذرية» الخاص بتقدير المدى الذي ذهبت إليه إيران في بناء قدراتها النووية بينما كان الرئيس الأمريكي جورج بوش ومعه نائبه ديك تشيني يؤكدان على استمرار الخطورة التي يمثلها النظام الإيراني. وقد جاء صدور ذلك التقرير بمثابة ضربة موجعة لمخططات الإدارة الأمريكية ورموزها، لاسيما وأنه جاء بعد سلسلة الاستقالات التي تقدم بها العديد من مسؤولي تلك الإدارة، وحيث ظهر الأمر كما لو أن الرئيس ونائبه فوجئا بهذا التقرير الذي أضر بمصداقيتهما.
والواقع أن التقرير جاء في إطار الصراع بين الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي والإدارة التي يسيطر عليها المحافظون الجدد، وحيث بدا من الواضح أنه يمثل محاولة لتبرئة ذمة أجهزة الاستخبارات بعد أن تحملت كثيراً من اللوم منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ازدادت وطأته بعد غزو العراق عندما اتضح عدم صحة التقارير الاستخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها العراق، وعدم صحة جميع المبررات التي استندت إليها الإدارة في شن حربها على العراق.
ورغم أن تقرير المجلس أقر بوجود برنامج نووي عسكري إيراني قبل عام 2003، وأن هذا البرنامج لم يغلق تماماً، إلا أن الاستنتاج الذي أشار إلى وقف البرنامج منذ هذا التاريخ كان هو الذي أثار الانتباه، حيث ظهر كما لو أنه أنهى الأزمة النووية بين إيران والغرب وخاصة الولايات المتحدة لصالح إيران التي اعتبر رئيسها محمود أحمدي نجاد القرار بأنه بمثابة نصر لبلاده، إلى جانب أنه دعم موقف مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي الذي حاولت كل من واشنطن وتل أبيب التشكيك بنزاهته.