د. توفيق السيف
الخطوة التالية بعد إقرار السوق الخليجية المشتركة
مهما كان سقف التوقعات عاليا، فان قرار اطلاق السوق الخليجية المشتركة قد حقق حلما عزيزا عند جميع ابناء الخليج. صحيح ان ما انجز حتى الان لا يرتقي الى مستوى الوعود التي تمخضت عنها قمم سابقة، لكننا لا نقارن بين الواقع والمثال، بل بين اجزاء الواقع نفسه.
بعض تلك الاجتماعات كانت روتينية الى حد كبير. اما قمة الدوحة فقد حققت اختراقا يتطابق مع ما انتظره الخليجيون سنوات طويلة. يفصلنا اقل من ثلاثة اسابيع عن الموعد المفترض لانطلاق السوق الخليجية المشتركة في اليوم الاول من العام الجديد.
ولهذا فالامر لم يعد مجرد وعد. المطلوب الان هو وضع اللوائح التنفيذية الضرورية لتطبيق ذلك القرار الهام. اتخذ قادة الخليج قرار اقامة السوق المشتركة في قمة مسقط عام 2001، وقيل يومئذ ان الفترة الفاصلة بين ذلك التاريخ وبين عام البداية اي 2008 ستشهد وضع اللوائح وتحديد مسارات العمل التي يفترض ان تؤدي الى فتح الاسواق الخليجية وتشابكها.
نعلم ان التحرك بهذا الاتجاه كان بطيئا في السنوات الماضية. لهذا فاننا ندعو المسؤولين في كل دولة خليجية الى اعلان جدول زمني لانجاز تلك اللوائح خلال مدة معقولة. هناك العشرات من الانظمة والتعليمات والاعراف السائدة التي تحتاج الى تغيير.
وهناك أطراف تشعر بالقلق من التأثير السلبي للسوق المشتركة العتيدة على مصالحها.
نذكر مثلا ان سياسيين كويتيين اشتكوا من ان معاملة الاستثمار الخليجي على قدم المساواة مع المستثمر المحلي سوف تؤدي الى ضخ رساميل هائلة في سوق العقار الكويتي. وهذا سيشعل بدوره اسعار الاراضي السكنية المتضخمة اصلا، مما يحرم شريحة واسعة من متوسطي الدخل من فرص تملك مساكنهم الخاصة او يضطر الحكومة الى تخصيص ميزانيات اضافية لدعم قطاع الاسكان.
وقبل بضع سنوات عبر رجال اعمال عمانيون عن خشيتهم من ابتلاع رأس المال الخليجي الضخم للاسواق الناشئة في هذا البلد، الامر الذي سيضيق الفرص امام المستثمرين المحليين لا سيما الصغار منهم.
كما نشير ايضا الى الصعوبات التي لا زالت تواجه البنوك الخليجية التي فتحت فروعا لها في المملكة لكنها لسبب او لاخر غير قادرة على البدء في العمل الجدي، ويبدو ان بعض تلك الصعوبات مصدرها القوانين غير الملائمة، وبعضها الآخر سببه أعراف أو تقاليد مغرقة في المحلية.
على أي حال فان هذه المخاوف مشروعة او على الاقل قابلة للتفهم، لكن تاثيرها ربما يعيق خطوات الانفتاح المطلوبة. ان تحديد جدول زمني واضح المعالم للتحول النهائي هو ضرورة ملحة لتلافي معوقات من ذلك النوع. فضلا عن المعوقات الاخرى، التي تصدر عن مخاوف امنية او سياسية.
أود الاشارة ايضا الى مشاركة الرئيس الايراني احمدي نجاد في مؤتمر الدوحة، التي اثارت الكثير من الجدل. لكنها حققت هي الاخرى اختراقا هاما يضيف الى رصيد هذه القمة.
صحيح ان الطرق لا زالت متباعدة بين ايران وجيرانها الخليجيين، وان التقارب يحتاج الى ما هو اكثر من اللقاءات ذات الطابع البروتوكولي..
الا ان الصحيح ايضا هو ان لقاءات من هذا النوع هي الطريق الوحيد الى ترسيخ فهم جديد للعلاقة بين ضفتي الخليج.
وأود الاشارة الى تحليل الاستاذ علي العنزي عضو مجلس الشورى الذي اشار الى الرسالة الداخلية لهذا الحدث، والتي فحواها ان الخليجيين قادرون على معالجة المشكلات الواقعية والمفترضة مع جيرانهم من خلال الحوار الجماعي والمباشر من دون الحاجة الى تدخل أطراف خارج المنطقة. وهو يرى ان الرسالة موجهة اساسا الى واشنطن.
وأظن ان الرسالة قد فهمت ايضا من جانب أطراف عربية اعتادت تهويل النوايا الايرانية في الخليج. نجاح قمة الدوحة يعزز من جديد الامال القديمة في تحرك غير تقليدي لمجلس التعاون، سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي.
ولعل القمة التالية تشهد دعوة مماثلة للرئيس اليمني، ووضع برنامج موسع للتعاون الاقتصادي الاقليمي يتجاوز الحدود الضيقة القائمة حتى اليوم.
talsaif@yahoo.com