د. رشيد بن حويل البيضاني
أكلة اللحوم..!!
من نعم الله تعالى علينا أن أحلّ لنا العديد من أنواع اللحوم؛ فهناك الأغنام بأنواعها والأبقار، والعديد من الطيور، والأسماك ذات الألوان والأشكال المختلفة المذاق، بحيث لا يمل الإنسان من أكل نوع واحد، فلكل نوع مذاقه الخاص، ولكل نوع فوائده الخاصة للجسم، كما أنه سبحانه وتعالى قد جعل لنا بدائل عديدة لهذه اللحوم، وصدق جل شأنه حين قال: (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها).
لكن مع كل هذه النعم، في كثرتها وتنوعها، لدينا أمر رباني عظيم بعدم الإسراف (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، فالإسراف في الأكل والشراب بوجه عام، وفي أنواع بعينها على وجه الخصوص، منهي عنه وفق هذا الأمر الإلهي الذي تتجلى ضرورة الالتزام به، حتى لمن لا يؤمن بالإسلام، عندما يقرأ البحوث العلمية والطبية التي تحذر من الإفراط في تناول طعام بعينه. وقد أثبتت البحوث العلمية أن ضرر أكل اللحوم أكبر من نفعه. كلنا -أو معظمنا-يشتكي من آلام في الجسم، فإذا قمنا بالتحاليل الطبية اللازمة، اكتشفنا أننا نعاني من نسبة الـ«يورك أسيد» في الدم، وهو ما يسمى بمرض «النقرس»، الذي تتجلى بعض أعراضه في آلام شديدة في الأقدام والمفاصل وغيرها. ولننظر إلى أطفالنا وما أصابهم من بدانة مفرطة نتيجة الإفراط في أكل الدجاج الأبيض الذي تأكد لي من بعض الموثوق بهم، أن بعض أصحاب المزارع يلجأون إلى إضافة بعض «الهرمونات» التي تزيد من حجم الدجاجة سريعاً، لتنمو بصورة غير طبيعية، ناهيك عما يضاف -في أحيان كثيرة- من مواد لها أثار سلبية على ما يقدم لهذا الدجاج من مغذيات.
أذكر هذا كله وأنا أتأمل استهلاكنا للحوم الذي يفوق كل تصور، المأكول منه، والملقى في القمامة. من منا -بالله عليكم- أقام وليمة، أو دعا بعض الأصدقاء إلى بيته، وأنهوا جميعاً كميات اللحوم المتواجدة أمامهم؟! عادات سيئة تحت مسمى «الكرم»، والكرم منها بريء.. هل من الكرم أن أعد «خروفاً» أو «تيساً» لشخصين أو ثلاثة، نأكل أقل من خُمسه، ويلقى الباقي في القمامة، في الوقت الذي يموت فيه المسلمون في بنجلاديش والصومال وغيرها من بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين؟! لم يعد استهلاكنا للحوم من باب «الفائدة» الغذائية، بقدر ما هو مظهر اجتماعي، نتباهى به، ففلان قدم في حفل عرس ابنه كذا ذبيحة، وفلان أقام حفلاً بمناسبة كذا وذبح فيه الذبائح، بل أصبح استهلاكنا للحوم، بمناسبة وبغير مناسبة، يفوق الاستهلاك الآدمي الطبيعي، نحن بحاجة إلى دراسات اجتماعية ونفسية للوقوف على أسباب هذا الإسراف والبذخ بل ومعذرة إن قلت «السفه» الذي أصاب الكثيرين منا، حتى تتم معالجة هذه الظاهرة السلبية، أظن أن أهل الاقتصاد بإمكانهم إعطاؤنا أرقاماً حول حجم انفاق المواطن السعودي على اللحوم بصفة خاصة، لندرك حجم المشكلة.
لم تدخر الدولة جهدها في محاربة انفلونزا الطيور، ومع هذا أعرف الكثيرين الذين يتحايلون ويشترون ما يريدون من بعض أصحاب المزارع التي ربما لا يخضع معظمها لرقابة صحية صارمة.. مطلوب منا أن نعي جيداً أن كثرة أكل اللحوم لا تفيد الجسم بقدر ما تضره، وبخاصة عندما يتجاوز المرء الأربعين.
مطلوب منا محاولات جريئة، وبخاصة من قبل الأثرياء والمثقفين بأن تكون مناسباتهم «متواضعة» أو حتى «معقولة» فيما يتعلق بما يقدم فيها من اللحوم، ومطلوب منا -كذلك- البحث عن بدائل للحوم، تحقق الفائدة للجسم، وعدم إنهاك الاقتصاد الوطني، أتخيل لو استيقظنا يوماً ولم نجد في الأسواق أي نوع من اللحوم، ماذا نفعل؟! أخشى أن يحدث هذا، فيضطر آكلو اللحوم إلى البحث عن بديل «بشري» فيأكل الناس بعضهم بعضاً بالأسنان، علاوة على أكلهم لبعضهم باللسان، إن سوء استخدام النعم هو كفر بها، وإني على يقين من أن كل حبة أرز، وكل قطعة لحم تلقى في القمامة، ستشهد علينا في الآخرة، وسيتعلق بأعناقنا إخوان لنا في الدين وفي الإنسانية، يسألوننا عما كنا نفعله، وهم بأمس الحاجة إلى كسرة خبز، أو ملعقة أرز، أو قطعة لحم.. صدقوني أيها الأعزاء.. (ولتُسألن يومئذ عن النعيم).
Dr_Rsheed@hotmail.com