أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
هل نجح مؤتمر أنابوليس ؟
اهتمت الصحف ومحطات التلفزة العربية بشكل كبير بمؤتمر السلام بين العرب والإسرائيليين الذي عقد في أنابوليس بولاية ميريلاند الأمريكية. وذهبت معظم التحليلات في الصحف ومحطات التلفزة إلى أن المؤتمر لم ينجح في التصدي للمسائل الرئيسية في الصراع العربي– الإسرائيلي، وأن الوثيقة التي قرأها الرئيس بوش مع بدء عقد المؤتمر كانت محاولة اللحظة الأخيرة لحفظ ماء الوجه. ولكن تحليلاً أدق للخطابات التي ألقاها كل من الرئيس بوش، والرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء الإسرائيلي تبين أن مؤتمر أنابوليس يمثّل نجاحاً محدوداً لأسباب متعددة.
فلقد كان عقد المؤتمر يمثل رغبة عربية في إحياء عملية السلام التي وئدت بغزو شارون للضفة الغربية وغزة عام 2002م. وربما كان العرب يفضلون أن يكون عقد هذا المؤتمر تحت مظلة الأمم المتحدة مثله في ذلك مثل مؤتمر مدريد، إلا أن الولايات المتحدة والرئيس بوش أرادوه مؤتمراً دولياً تحضره حوالي أربعين دولة، ولكنه تحت مظلة أمريكية. ولم يكن الإسرائيليون يرحبون بعقد المؤتمر بأي صفة كانت، لأنه يروق لهم استمرار الاحتلال بكل الصور الممكنة. كما أن الولايات المتحدة شعرت بأن صورتها في العالم العربي واحتلالها لكل من العراق وأفغانستان أصبح مكلفاً بكل المعايير المادية والمعنوية، كما أن محاربتها للقاعدة، وغيرها من القوى الممانعة لزيادة نفوذها في المنطقة أصبحا يحتمان عليها أن تغير من نهجها الحالي، وأن تلجأ إلى وسائل دبلوماسية وسياسية لتغطي على فشلها في الميدان العسكري. لكن الشيء المؤكد أن الإسرائيليين أنفسهم، كما أوضح
(أولمرت) لم يكونوا متحمسين لحضور المؤتمر، وحاول عدد من الشخصيات اليهودية الأمريكية أن تقف ضد عقده، كما حاولت الحدّ من قدرة الإدارة الأمريكية على القيام بأي ضغوط على إسرائيل، من خلال عقد هذا المؤتمر.
وقد مثّل هذا المؤتمر انتصاراً للجناح الذي تقوده السيدة (رايس) والفريق المعاضد لها في الخارجية الأمريكية، الذي كان متحمساً لعقد المؤتمر، مقابل الجناح الذي يمثله سكرتير الأمن القومي (ستيفن هادلي)، ونائب الرئيس تشيني. وجاء خطاب بوش ليؤكد وجود آلية ثنائية بين الجانبين المتفاوضين، عبر تعيين موفد أمريكي لمراجعة تنفيذ الجانبين للاتفاقات المبرمة، ولبنود خارطة الطريق، وان كان تعيين الجنرال جيمس جونز القائد السابق في حلف الناتو يعزز التوجه الأمني للمباحثات. حيث كانت الإدارة الأمريكية ولا زالت تنظر للصراع الفلسطيني الإسرائيلي من زاوية أمنية. وسيعزز تعيين الجنرال جونز مثل هذا التوجه. ولقد كانت هناك أسماء لدبلوماسيين أمريكيين سابقين طرحوا كموفدين وسفراء اتصال لمتابعة هذه المفاوضات الشاقة. ومع ذلك فان نجاح المفاوضين الفلسطينيين والعرب في الضغط على الإدارة الأمريكية بوضع سقف زمني للمفاوضات خلال عام واحد من اليوم، والتعهد الذي تضمنه خطاب الرئيس بوش بإقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية يمثل وعداً تاريخيا للفلسطينيين من قبل دولة كبرى، مماثلا لوعد بلفور بحق اليهود.
وقد نجح محمود عباس في خطابه في التحدث عن المواضيع الجوهرية في الصراع العربي- الإسرائيلي، وتحدث للفلسطينيين وللإسرائيليين وللأمريكيين، وحاول طمأنه الرأي العام الإسرائيلي إلى أن قيام دولة فلسطينية وحلّ جميع القضايا الرئيسية ستكون من مصلحة إسرائيل، مثلما هي في مصلحة الفلسطينيين.
أما أولمرت فحاول أن يعطي خطاب الضمانات الذي أرسله جورج بوش إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي (شارون) عام 2003م، نفس القيمة القانونية التي أعطاها لخارطة الطريق وللقرارات الدولية الخاصة بفلسطين. كما تحدث أولمرت ولأول مرة من قبل زعيم إسرائيلي، عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين، وكان الرؤساء الإسرائيليون في الماضي لا يعترفون بهذه المشكلة، ويعتبرونها مسألة ثانوية. إلا أنه جعل حلّها من مسؤولية السلطة الفلسطينية والدول الأخرى، أي أنه يقول بأن عودة هؤلاء اللاجئين واستيطانهم لن يكون على حساب إسرائيل، أو في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.
وفي النهاية، فإن افتتاح المؤتمر يعبّر عن نجاح مهم للسياسة الأمريكية وللسياسة الفلسطينية التي تريد أن تحرك الأوضاع السياسية، وفي نفس الوقت فإن الفلسطينيين بحاجة أكثر من أي وقت مضى للدعم العربي والأوروبي والأمريكي لهم في مفاوضاتهم. وسنرى في نهاية عام 2008م، هل ينجح الطرفان في الاتفاق على معاهدة سلام أم لا.