رؤية سياسية
حتى ننتصر في الحرب ضد الإرهاب
د. طلال صالح بنان
كلما هدأت الأمور وظن الكثيرون أن الإرهاب يمر بأصعب أوقاته، تفاجئنا الأخبار بإفشال مخطط إرهابي جديد أو الإمساك بتنظيم إرهابي جديد، مذكرة الجميع بأن الحرب مع الإرهاب مستمرة، وإن عدم وقوع أحداث إرهابية منذ مدة طويلة، لا يعني أن المعركة على الإرهاب توقفت، بل أن استراتيجيات وتكتيكات إدارتها في تغير مستمر وحركة متواصلة. إلى الآن، أثبتت استراتيجية وتكتيكات الحرب الوقائية، ضد الإرهاب، التي تديرها أجهزة الأمن السعودية، أنها تؤتي ثمارها، بصورة متوالية. يوم الأربعاء الماضي أعلنت وزارة الداخلية عن إحباط مخطط إرهابي جديد يكشف عن تغيير نوعي في تكتيكات واستراتيجيات الإرهاب، تطال فئات جديدة من المجتمع السعودي.. استهداف مواقع استراتيجية حساسة لأمن المملكة الوطني وثروة المجتمع الطبيعية والصناعية. ولكن، كما سبق وقال خادم الحرمين الشريفين، ان المعركة مع الإرهاب قد تستمر لعشرين سنة، فإن الجميع عليهم أن يجندوا أنفسهم لهذه المعركة، لأن أي فردٍ منا، حتى ولو لم يكن هدفاً محتملاً للإرهاب بسبب موقعه الرسمي أو مكانته الاجتماعية أو دوره الحيوي في اقتصاد البلد وأمنها، يمكن أن يكون في أي لحظة عرضة لعمل إرهابي، فقط من باب الصدفة البحتة والحظ العاثر، إذا تصادف وجوده في لحظة معينة في مسرح عملية إرهابية.
ليس فقط سلامة الفرد منا الشخصية، هي كل ما يهمنا في الحرب الطويلة المستمرة مع الإرهاب. أية عملية إرهابية، لا سمح الله، تمكنت من ضرب أي موقع في بلدنا، ينتج عنه إصابات بين مواطنينا ويلحق أضرارا بثروة البلد الاقتصادية وسمعتها في الخارج، وقد تنعكس سلباً على حالة الأمن والاستقرار التي نعيشها، وقد تكون لها ذيول سلبية على حركة السياسة الخارجية للبلد، ما هي إلا احتمالات مباشرة، لإصابة كل فردٍ منا حتى ولو لم يكن متواجداً في مسرح العملية الإرهابية. لذا علينا ألا نتعامل مع ظاهرة الإرهاب، بمنظور مصالحنا الذاتية الضيقة، التي تكون احتمالات الإضرار بها بعيدة، ولكن من منظور أن الإرهاب آفة اجتماعية وسياسية مضرة بمصالح كل مواطن منا، في التحصيل النهائي لحركة عنفها الأرعن.
الحرب على الإرهاب مكلفة جداً لموارد البلد، ولكن مهما بلغت تكلفة مكافحة الإرهاب، فإنها لا توازي ولو نسبة ضئيلة من تكلفة تمكين الإرهاب بفكره الضال وحركته العنيفة وأضراره الممتدة، النيل من استقرار المجتمع وأمنه. إلا أنه حتى نستشعر مدى استهداف الإرهاب لكلٍ فردٍ منا، علينا أن ننظر لتكلفة محاربة الإرهاب التي يتحملها المجتمع والدولة، من أجل توفير الأمن والسلام لكلٍ منا، من ثروة المجتمع وموارده، الذي يكون لكلٍ فردٍ منا نصيب فيها.
تكلفة محاربة الإرهاب لا تحسب بمعايير مادية، فقط. كل واحدٍ منا حتى يشارك بفاعلية وحماس في محاربة الإرهاب، عليه أن يكون مستعداً لبذل تضحيات، بصورة مستمرة، على حرية حركته بل وحتى على بعض حقوقه، من أجل أن تتمكن الجهات المختصة بالتعامل مع ظاهرة الإرهاب بفاعلية واقتدار. حتى في المجتمعات المتقدمة التي اعتادت على نمط معيشي تقل فيه مدخلات الدولة ونظامها السياسي في حريات وحقوق الأفراد، أبدت استعداداً كبيراً للتضحية ببعض تلك المميزات النوعية للعيش في المجتمعات المتحضرة المعاصرة، من أجل الانتصار على ظاهرة الإرهاب.
متى وصل المجتمع إلى مستوى متقدم من الوعي.. وطور إرادة ماضية، للنصر في الحرب ضد الإرهاب، فإن ذلك لا يعدو كونه نتاجاً طبيعياً لخيارٍ حر، بأن كل فرد في المجتمع مستعد لأن يساهم بفاعلية وكفاءة، مهما بلغت التكلفة، ومهما ارتفعت التضحيات، للنصر على الإرهاب. الإرهاب، لو انتصر لا سمح الله، فإن تاريخ الإنسان وتجربته في تطوير المجتمعات الإنسانية التي توفر الأمن والأمان للفرد، ليتمتع تحت ظلالهما بالحرية وممارسة كافة حقوقه، تأتي إلى نهايتها، لتدخل الإنسانية، لا سمح الله، إلى مجاهل جديدة من العصور المظلمة والأحقاب السوداء، يتحكم فيها البطش والجبروت والطغيان ويسود فيها الفكر الضال المضل، حيث يُقتل الإبداع في فكر الإنسان، كما يُغتال ضمير الإنسان الفطري، لتنعدم التفرقة بين الخير والشر.. ويصاب الجميع بعمى البصيرة والبصر... ويعيش الجميع في إرهاب متواصل وشرٍ مستطير.
محاربة الإرهاب ليست مهمة أجهزة الأمن وحدها. النصر على الإرهاب، يتطلب مشاركة كل فردٍ منا، في الحرب ضد الإرهاب، واستعداد كل مواطنٍ منا للمساهمة في تغطية تكلفة محاربة الإرهاب المادية والنوعية، لقطع دابر الإرهاب وهزيمته الحاسمة، مهما تطلب الأمر من وقت ومهما بلغت التضحيات.