نجيب عصام يماني
القيادة الأصل فيها الإباحة
في عكاظ 14989 يسأل الزميل عبده خال عن الحكم في خلو المرأة بالسائق الأجنبي في السيارة ولماذا نحن دون المسلمين نتوسع في استخدام سد الذريعة لمنع قيادة المرأة حفاظاً على المجتمع من الرذيلة وقد أفتى الشيخ صالح الفوزان أن ركوب المرأة وحدها مع سائق غير محرم لها يُعتبر حراماً شرعاً ولا يجوز لها ذلك ونبّه أن من يتركون بناتهم ونساءهم يركبن منفردات مع السائقين للذهاب للدراسة أو العمل أو السوق أو لأي غرض كان عليهم أن يتقوا الله وعلى النساء أن يتقين الله في ذلك (الجزيرة 1427هـ) مؤمنين إننا نعيش معاناة حقيقية مع السائق الأجنبي في بيوتنا التي اقتحمها عنوة وأصبح من الضروريات أمام تعقد الحياة وزيادة مطالبها وخروج المرأة للدراسة والعمل وانشغال الرجل وسعيه الدائم في الأرض فكان هذا السائق الذي نأتي به مكرهين لا نعرف عن ماضيه شيئاً ولا عن دينه وأخلاقه وهويته يقود نساءنا وبناتنا وأولادنا ونستعين به في كل أمور حياتنا جعلناه بملء إرادتنا اليد اليمنى للمرأة لا تستطيع حراكاً بدونه والنتيجة تدمير لديننا وهويتنا وفساد لبناتنا وأولادنا وسرقة ونهب وقتل وانتهاك حرمات وأعراض وتهديد ووعيد وعلاقات مشبوهة مع الخادمة والجيران وإفشاء أسرار البيوت والتنصت واستراق السمع والتدخل في الحياة الزوجية وتربية الأولاد ومراقبتهم ومعرفة نقاط ضعفهم لاستغلالها فيما بعد، ناهيك عن الهروب وصنع الخمور وتجارة المخدرات والإفساد في الأرض. ورغم كل هذه المصائب فليس أمامنا إلا استقدام هذا السائق حتى لا تتعطل مسيرة الحياة.
فكل مصالح العباد والمنافع الحقيقية هي على علم الإباحة الأصلية بمقتضى حكم الاستصحاب الذي يجعل كل نفع مباحاً حتى يقوم الدليل على خلافه. وشريعتنا الإسلامية اتسمت بالشمول والعموم والخلود ولكن هذا لا يعني أنها نصّت على كل حكم وعلى كل واقعة بعينها مما يستجد من أحكام أو يستحدث من مسائل والشريعة جاءت بالمبادئ العامة والقواعد الأساسية والخطوط العريضة لتندرج تحتها كافة القضايا والمسائل التي تستجد لتغير الأزمان والعادات والأعراف. وقد فتح نبي الرحمة باب الاجتهاد وسنه على من بعده وحتى قيام الساعة. وعلى الفقيه أن يزاوج بين الواجب والواقع ولدينا قواعد فقهية عظيمة مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولعل القاعدة الفقهية التي تنص على أنه إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفها وأن الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف وأنه يختار أهون الشرين، وأن فقه الواقع يقتضي من علماء الوطن أن يوجهوا الأمة ويضعوا لهم الأجوبة الشافية لحل مشكلاتهم وأن يكونوا عالمين بواقعهم (فالحكم على الشيء فرع من تصوره) ولا يتحقق ذلك إلا بمعرفة الواقع المحيط بالمسألة المراد بحثها والوقوف على ما يهم المسلمين مما يتعلق بشؤون حياتهم فمعرفة الواقع للوصول به إلى حكم الشرع واجب مهم من الواجبات التي يجب أن يقوم بها العلماء.. فركوب نسائنا مع السائق الأجنبي حرام وقيادة السيارة لا يجوز ولا يمكن أن نترك نساءنا يمشين في الشوارع ليقضين حوائجهن ويمارسن أعمالهن ومن الصعوبة أن نترك أعمالنا ودوامنا ونذهب معهن إلى مدارسهن وجامعاتهن وأعمالهن، وبما أنه ليس هناك ما يمنع شرعاً من قيادة المرأة للسيارة ولو ترتب على ذلك بعض الفساد حسب القائلين بهذا الرأي فإن فساد السائق الأجنبي هو أشد وأنكى لما يسببه من دمار في المجتمع مفسداً. لماذا نحن بالذات دون غيرنا رغم أن بعض نسائنا يقدن السيارة في الدول التي يذهبن إليها ولم يقل أحد بفسادهن، كما أنهن يقدن السيارة في القرى ويقضين حوائجهن فهل عندهم حلال وهنا حرام صور من التناقض والظهور بوجهين في حياتنا، تعبنا من عبث السائقين وتحكمهم فالأمر إذا ضاق اتسع وقد ضاقت أحوالنا بالسائق الأجنبي وما جناه علينا.
وقد أكد على ذلك ولي الأمر حفظه الله وقال عنها إنها شأن اجتماعي وكررها سمو وزير الداخلية وأكدها الأمير سعود الفيصل في القناة الرابعة للتلفزيون البريطاني. يقول ابن تيميه بأن لتصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعين: عبادات يصلح بها دينهم ـ وعادات يحتاجون إليها في دنياهم والعبادات لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، أما العادات فالأصل فيها عدم الحظر فلا يحظر إلا ما حظره الله. يقول ابن حزم إن من حرّم للذرائع فقد حرّم بالظن والله يقول إن الظن لا يغني من الحق شيئاً، فسد الذريعة وهو قول يتحجج به من لا حجة له لن يحول بين الإنسان والسيئات والتوسع في تطبيق هذا المبدأ له آثار ضارة على المجتمع وأهله، لابد أن تحل هذه المعضلة ويسمح للمرأة بالقيادة فالزمان غير الزمان والحال غير الحال والمرأة أصبحت حقيقة واقعية في هذا المجتمع لا يمكن إهمالها وهي نصف المجتمع مكملة للرجل وهي رقم مهم في منظومة الوطن وعامل مهم في مسيرته.
وفي نهاية الأمر المسألة اختيارية فمن أرادت أن تقود فلها ذلك شرعاً ونظاماً ومن رغبت عن القيادة فلتتحمل تبعات السائق دون الحاجة للانفعال والتشنج ففي نهاية الأمر القيادة عادة.
فاكس 6975040 - nyamani@hotmail.com