مؤتمر أنابوليس.. الفرصة الأخيرة
بعد كل هذه الحروب التي جلبت الموت والدمار، وبعد كل هذه الانحيازات إلى الطرف المعتدي والقوة الإسرائيلية الغاشمة في مواجهة الفلسطينيين العزل، وبعد الصمت الطويل، تحركت إدارة الرئيس بوش لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها السياسية، أملاً في أن يصدر التاريخ حكماً مخففاً على الفترة الزمنية التي قضتها هذه الإدارة في البيت الأبيض، وعلى أدائها الإداري المحلي والسياسي العالمي.
ومن هذا المنطلق، وتحت هذه الرغبة التي قد تتحقق ولو جزئياً أو قد لا تتحقق على الإطلاق، تتبنى إدارة الرئيس بوش المؤتمر الدولي للسلام في أنابوليس بولاية ميريلاند في أمريكا.
العرب ذهبوا إلى هذا المؤتمر بأعين مفتوحة وبكثير من الحذر والتشكك، وبأقل القليل من التفاؤل وحسن الظن. فقد علمتهم تجاربهم مع إسرائيل ألا يفرطوا في التفاؤل والاستبشار.
لقد أعطى العرب الكثير للطرف الآخر، ولم يحصلوا سوى على مصافحات من أيدٍ باردة، وابتسامات لزجة فيها من الاستهزاء والغطرسة أكثر مما فيها من صراحة أو وضوح.
حتى المبادرة العربية التي تفرض مقداراً لابأس به من التنازل الواقعي على العرب مقابل بعض المكتسبات التي هي في الواقع ليست إلا استعادة للحق، لم تجد آذاناً صاغية وقلباً مفتوحاً من الطرف الآخر.
العرب جميعاً، ومعهم الرأي العام الدولي كله، صادقون في جهودهم لإنهاء محنة الشرق الأوسط الفلسطينية- الإسرائيلية وإقرار سلام عادل في المنطقة للجميع. ولكن إسرائيل كعادتها تخترع مصطلحات جديدة وتتلاعب بالألفاظ، مثل إعتراف العرب بها كدولة يهودية، وتمد يدها (الشمال) إلى منتصف الطريق ثم تسحبها، وتطالب العرب بالاجتماع مع مندوبيها دون تحديد أي جدول واضح وملزم للأعمال والمواضيع المطروحة للنقاش، إلى آخر ذلك من مراوغات وتحايل.
وإذا كانت موافقة المملكة على قبول الدعوة لحضور هذا المؤتمر قد جاءت نتيجة إجماع الدول العربية على المشاركة، فكما قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل «أننا لمسنا للمرة الأولى رأياً عاماً عالمياً تجاه السلام في الشرق الأوسط لم نشهده من قبل للوصول إلى حل عادل وأننا لمسنا ذلك من جانب الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الإسلامية المناصرة للحق العربي». وفي جملة قصيرة لخص سمو وزير الخارجية الموقف العربي في قوله «الشك لابد أن تقطعه باليقين، وذهاب الدول العربية إلى أنابوليس سيقطع هذا الشك. فإذا كانت هناك جدية فسيجدون جدية مقابلة من الجانب العربي.. نحن غير مستعدين أن نكون جزءاً من عمل مسرحي في الاجتماعات. المصافحات واللقاءات التي لا تعبر عن الموقف السياسي نحن غير مستعدين لها».
بمعنى آخر، العرب يعطون السلام العادل فرصة جادّة أخيرة، وعلى إسرائيل أن تدرك ذلك ولاتضيع هذه الفرصة.
وإذا رغب الرئيس بوش أن ينقذ بالفعل مايمكن إنقاذه من سمعة إدارته وما سيكتبه التاريخ عنها، فهذه فرصته المتبقية الأخيرة، وعلى إدارته أن تستغلها أفضل استغلال بممارسة بعض الضغوط المؤثرة على إسرائيل للتخلي عن ألاعيبها والإذعان للرأي العام الدولي.
أما إذا انتهى هذا المؤتمر إلى الفشل ودون تحقيق الالتزام الكامل بالسلام العادل في المنطقة، فسوف يكون ذلك فشلاً كارثياً على إدارة الرئيس بوش، يضاف إلى ما سبق ويقضي على ما تبقى لها من أمل في إنقاذ سمعتها في سجل التاريخ.
نقول ربما.. ربما تنجح الإدارة الأمريكية الحالية في تخفيف حكم التاريخ عليها من خلال هذا المؤتمر، وإن غداً لناظره قريب.