د. توفيق السيف
النصف الفارغ في قمة أهل البترول
قواسم كثيرة تجمع بين دول اوبك التي اجتمع زعماؤها في الرياض هذا الاسبوع. فجميعها ينتمي الى العالم الثالث، وجميعها يعتمد على تصدير البترول الخام كمصدر اساسي لدخله القومي، وجميعها يعتمد على الشركات الاوربية والامريكية في توفير التقنيات الفنية والادارية اللازمة لاستمرار انتاج وتصدير البترول.
يتضح من تجربة هذه الدول ان توفر المال لا يكفي بمفرده لاستمرار الحراك التنموي. دعنا نضرب مثالا بتنويع القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني. فالمعروف ان الاعتماد شبه التام على تصدير منتج وحيد هو البترول الخام، يجعل البلد اسيرا لتقلبات السوق وتوافقات المستهلكين وظروفهم الاقتصادية. جربت بعض الدول مثل المملكة وايران واندونيسيا اضافة سلع اخرى مصنعة أو وسيطة، واكتشفت جدوى التنويع. هذه التجربة جديرة بان تتحول الى مسار اساسي. يتجه العالم بصورة حثيثة نحو التخصص على المستويات الوطنية أو الاقليمية. نعرف مثلا ان الصناعات الميكانيكية التي تتطلب عمالة كثيفة تتحول بشكل مضطرد من اوربا والولايات المتحدة الى آسيا، بينما يركز الاوربيون والامريكان على قطاعات التقنية العالية وما يسمى اليوم باقتصاد المعرفة. تولد هذا الاتجاه بسبب مبررات اقتصادية في المقام الاول. لكن الفضل في انجازه يرجع الى جهود حكومية، سواء في التخطيط أو في توفير البيئة القانونية والاستثمارية المناسبة أو في تعديل انظمة ومضامين التعليم. نعرف مثلا ان سبعا من دول آسيا النامية تحقق الان معدلات نمو اعلى من اي مكان آخر في العالم، ونعرف انها تتحول بسرعة الى دول صناعية كاملة تصدر التكنولوجيا والمعرفة. ويقال في هذا الصدد ان واحدة من كل ثلاث سيارات تسير في شوارع العالم سنة 2020 سوف تصنع في الصين. ونعرف الان ان ثلثي الاجهزة الكهربائية في منازلنا تأتي من احدى تلك الدول السبع وليس من اوربا أو الولايات المتحدة كما كان الامر قبل عقدين من الزمن.
الاتجاه الكوني للتخصص والتركيز هو بذاته مبرر اقتصادي واخلاقي لاتخاذ استراتيجية مماثلة، تستهدف تحويل البترول الى محور للتنمية الصناعية. ونعني بذلك:
أولا: وضع استراتيجية ثورية لتطوير التقنيات المتعلقة باكتشاف وانتاج وتصفية ونقل البترول، ضمن اطار زمني معلوم، لنقل خمسة عشر عاما على سبيل المثال، بحيث يتحول البترول خلال هذه المدة الى صناعة محلية مئة بالمئة، لا تتوقف، أو على الاقل لا تعتمد كثيراً على استيراد التقنيات أو المعارف أو التجهيزات من الخارج. تعالج هذه الاستراتيجية انظمة ومناهج واغراض التعليم الجامعي والفني وتنظيم علاقته بالشركات العاملة في مجال البترول.
ثانيا: اذا افترضنا اننا قادرون –في أفضل الظروف- على تصفية واعادة تصنيع 40% مثلا من بترولنا الخام، فان علينا حينئذ ان نضع استراتيجية لبلوغ هذه النسبة خلال مدى زمني معلوم. وتوفير المقدمات اللازمة لتحقيق هذا الهدف من توجيه الاستثمار الحكومي والاهلي بهذا الاتجاه وتوفير البيئة والبنى الاساسية اللازمة ومعالجة انظمة العمل المعيقة وما اشبه. مثل هذه الاستراتيجية سوف تعطينا ثلاثة اضعاف دخلنا الحالي من البترول. كما أنها ايضا ستوفر الافا من الوظائف الجديدة وترفع المستوى العلمي للبلاد وتعزز مكانتها الاقتصادية والسياسية على المستوى الاقليمي.
إننا بحاجة إلى تحسين موقعنا وشروطنا في هذه المعادلة الحرجة، ولا توجد وسيلة افضل لتحقيق هذه الغاية من تخفيف الاعتماد على المستهلكين، ليس باهمالهم، بل باستنباط وسائل لتوسيع خياراتنا وبالتالي تقليل الاثر السلبي للضغوط المحتملة.
talsaif@yahoo.com