عامل بشهادة جامعية:
التاريخ جوّع أسرتي
كتابة وتصوير: حسين الحجاجي
حينما كنت على مقاعد الجامعة ببلادي، ما خطر في بالي أنني ابدد وقتي وتعبي بالوهم.
كنت الوحيد في القرية الذي لازمني اصرار عجيب على الانخراط في الدراسة الجامعية طموحا نحو الدكتوراه.
«يا بني مالك وهذا، استغل عمرك، ابحث عن عمل، يابني ارهقتنا ولا حمل لنا بهذا المشروع..» توسلات ورجاءات من الجميع وتحديدا من والدي واهل بيتي، عندما يئسوا.. تحمل أبي وزوجني بالقوة خشية علي مضي العمر. وتوفقت في زواجي ولله الحمد، بل وحصلت على الشهادة الجامعية، عندها وبعد التخرج وجدت انني ضائع امام تلك الاسئلة:
والان الى أين؟
لم أجد الأجابة، احمل مؤهلا عاليا لكنني ظللت احمل ورقة بلا عمل.. بقيت على هذا الحال والظروف هناك في بلادي لا تحتمل ولاتتحمل ضياعا للعمر وللايام اكثر مما قضيتها هناك في الجامعة.. كما يقول: الشاب «طاهر محمد الزيادي 32عاما» لقد رأيت ابناء قريتي البسطاء، يغادرون هنا وهناك في بلدان كثيرة يعملون ثم يعودون محملين بالفرح الى أسرهم.. الا انا ما زلت ذلك الجامعي المثقف والمؤهل جالسا حيثما كنت وبلا فرصة اخيرا اتخذت قراري، تناسيت المؤهل والغيت دراستي المتخصصة في «التاريخ» من ذاكرتي، وهمشت ثقافتي والتمست من ابناء قريتي البسطاء لكي يساعدوني في الحصول على تلك الفرصة بالعمل معهم.. وبالفعل تمكن احدهم من تحقيق ذلك «كعامل أو مساعد لمعلم كهرباء» وهكذا جئت وعملت بهذه المهنة حتى اتقنتها والان اصبحت «كهربائي» عن جدارة وبفعل الخبرة في هذا المجال.
وبفضل الله صرت معروفا بالدقة والاتقان ومخافة الله، واخاف الله لانني اتجنب الغش أو المغالاة بسبب انني لا اريد ان اطعم ابنائي واسرتي من «قرش اشعر بأنني لا استحقه»..
لا اجعل من اتعامل معهم، يدفعون لي اجرتي الا بعدما اسألهم مرارا، ياعم هل انت راض عما عملته لك أو هل لك ملاحظات أو تعديلات ترغب في ان اقوم بها قبلما تدفع لي حقي أو أجرتي.
ان ابدى الشخص شيئا من ذلك انجز له ما اراد بمنتهى الرضا وبدون تذمر أو احتيال.
وإن اظهر الرضى حمدت الله.
ولذلك دائما ما احاول تعديل سلوك بعض العمال ممن اعاشرهم تجاه ضرورة العمل بتلك الروح والامتناع عن التحايل على عباد الله واذكرهم «من أخذ الاجرة حاسبه الله بالعمل».
فأنا خريج جامعة كما ذكرت لك، ولابد ان يكون سلوكي مطابقا لما درست ووفقا لمكانتي التعليمية تلك ولا اسمح لنفسي بسلوك غير ذاك.