معركة جديدة تبقي الشيخ يوسف البدري داخل المشهد الأدبي
«الشرفة» تشعل الحريق مجددا في الثقافة المصرية
هناء البنهاوي (القاهرة)
عادت أزمة قصيدة « من شرفة ليلى مراد» للشاعر حلمي سالم للظهور مجددا على الساحة، التي يتهم فيها بالإساءة إلى الذات الإلهية في قضية تستأنف محكمة القضاء الإداري النظر إليها في 4 من ديسمبر المقبل.
وتمثل هذه القضية مكمن الخلاف النظري تجاه طبيعة اللغة الرمزية للفن والقراءة الحرفية، وان كان هناك اجماع من المثقفين على ركاكة هذه القصيدة.
وينتظر الوسط الثقافي بشغف نتيجة الحكم في هذه الدعوى حيث قام كل من الشيخ يوسف البدري والمحامي سمير صبري بالطعن علي قرار وزير الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة، بمنح الشاعر حلمي سالم جائزة التفوق في الآداب بمبلغ 50 ألف جنيه بسبب قيامه بتأليف قصيدة بعنوان «شرفة ليلى مراد»، تضمنت مساسا وإساءة إلي الذات الإلهية. وقد أحالت المحكمة الدعوى إلى مجمع البحوث لإبداء الرأي بها.
وكانت محكمة القضاء الإداري قد تسلمت نهاية الأسبوع الماضي تقرير مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، في الطعن المقام من الشيخ يوسف البدري ضد وزير الثقافة لمنحه جائزة التفوق للشاعر حلمي سالم صاحب قصيدة تضمنت ما وصفه الطاعن بأنه إلحاد وشرك بالله. وأفاد التقرير أن القصيدة «تضمنت كفرًا وزندقة ومسًّا بالذات الإلهية». يذكر تقرير مجمع البحوث الإسلامية: إن القصيدة كلام لا معنى له في أكثر من فقراتها، ولم يتضح لها معنى إلا عند مؤلفه، ويتضمن إساءة للذات الإلهية، وكأن ذلك هو المقصد ولا شيء غير الإساءة، فالإلحاد يسميه إبداعاً، فهو يصف الرب في قصيدته بأنه مزارع يزغط البط ويحلب الضرع وهو تجرؤ على الله تعالى وعدوان على ذاته، هذا كفر وزندقة ومساس بالذات الإلهية، كما أن ما ورد بالقصيدة لا علاقة له بالإبداع من قريب أو بعيد».
كما تضمن التقرير رأياً منفرداً على كل جزئية في القصيدة، حيث رد على نقطة تتعلق بعنوان «حراسة»، حيث قال المؤلف في قصيدته: «ليس من حل أمامي.. سوى أن استدعي الله والأنبياء ليشاركوني في حراسة الجثة، فقد تخونني شهوتي، أو يخذلني النقص....» واعتبر التقرير أن تلك الكلمات تحمل كفراً وإساءة بالله سبحانه وتعالى.. وخلص التقرير الى تأكيد أن هذه القصيدة حملت وصف الرب بما يسيء إليه والاستهزاء بعبادته.
مكمن الخطورة لهذه القضية لدى المثقفين المصريين في هذه القضية بالذات يتصل باعتبارها أول قضية التي يتم فيها تكفير شاعر من قبل الأزهر وهو حلمي سالم، بعد قضية د. نصر حامد أبو زيد منتصف التسعينات من القرن الماضي، حيث أتُهم بسبب أبحاثه العلمية بالارتداد عن الإسلام والإلحاد وحكمت المحكمة حينها بالتفريق بينه وبين زوجته د.ابتهال يونس الأستاذة في الأدب الفرنسي بالقاهرة على أساس أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم. وكانت هذه الدعوى قد رفعت فور إعلان المجلس الأعلى للثقافة فوز الشاعر بجائزة التفوق ضمن الفائزين بجوائز الدولة في الآداب الفنون والثقافة وعلم الاجتماع في 26 من يونيو الماضي، غير أن منسق اللجان في المجلس الأعلى للثقافة عماد أبو غازي نفى أن يكون المجلس الأعلى للثقافة قد منح الشاعر الجائزة «ارتباطا بهذه القصيدة».
وأوضح غازي أن الجائزة تمنح على مجمل أعمال المبدع. وبرهن د. عماد ابو غازي على ذلك بأن الجهة التي رشحت حلمي سالم لنيل الجائزة كانت قد تقدمت بأعماله التي أبدعها حتى 31 من ديسمبر عام 2006، بينما نشرت القصيدة التي أثارت هذا الجدل في شهر مارس 2007.
بداية الأزمة
كانت أزمة هذه القصيدة « شرفة ليلي مراد» قد تفجرت عندما نشرت بمجلة (إبداع) الفصلية في مارس الماضي، التي عادت للظهور في المشهد الأدبي بعد انقطاع أربع سنوات كاملة بنفس قيادتها رئاسة الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، ولكنها صودرت، بعد أن طرحت في السوق لعدة أيام عندما وصلت لرئيس هيئة الكتاب ناصر الأنصاري، شكاوى من عمال المطابع بهيئة الكتاب تقول ان العدد به قصيدة بعنوان <شرفة ليلي مراد> تسيء إلى الثوابت الدينية وتغض من قداسة المعتقدات والذات الإلهية.
الرأي والرأي الآخر
من ناحية أخرى فقد وصف الشيخ يوسف البدري هذه القصيدة بأنها هذيان مسطول أو سكران ومفرداتها لا صلة بين بعضها لبعض وفيها سخرية من الله تعالى وتحوى كذلك اتجاها إلحاديا وكاتبها ملحد ينشر الإلحاد وبالتالي فيجب مقاضاته وسحب الجائزة منه لأنه لا يستحقها.
بينما دافع حلمي سالم عن قصيدته ونفي ما تتضمنه من شبهة الإساءة للذات الإلهية باعتباره صاحب قصيدة «شرفة ليلى مراد» قائلا: ليس في القصيدة المذكورة ما يسيء الي قداسة الدين أو يغض من الذات الإلهية. ولعل العكس هو الصحيح، لان السطور المقصودة هي تنزيه لله عن القهر والتعسف والترصد. وهي فوق ذلك تنتقد المتواكلين الذين ينتظرون أن ينزل الله ليحل لهم مشاكلهم اليومية بنفسه، من غير أن يبذلوا هم جهدا أو سعيا. وهي الفكرة التي تقرها القاعدة الدينية نفسها حين تقول «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، إدانة للتواكل والخمول وانتظار الحلول العلوية!
وأضاف «إن تعبير (الرب) تعبير أوسع من حصره في المنظور الديني الإسلامي وحده، فهو التعبير المستخدم في شتى الديانات السماوية وغير السماوية، وهو التعبير المستخدم في الأساطير اليونانية، بل هو التعبير المستخدم في الإشارة الى كل كبير أو مسؤول أو مالك، مثل: رب الأسرة، ورب العمل، وربة البيت، وربة الصون والعفاف. ثم هو رمز الى كل مثل أعلى يتوق له البشر، وحصره في المعنى الديني الإسلامي وحده ينطوي على سوء قراءة وسوء فهم وسوء خلق.
أما حلمي سالم فقد وصف القراءة التي اتهمت نص هذه القصيدة بأنها قراءة ضيقة متعسفة، لا تصلح لتفسير الأدب. موضحا ان الأدب فن مجازي ينبغي أن يقرأ قراءة مجازية. وهذه القراءة المجازية لها متخصصون، هم نقاد الأدب وعارفوه، وقال «الغريب أن أهل التيارات الدينية الجامدة يجأرون في وجوهنا صباحا ومساء مطالبين بألا يتحدث أحد منا في الدين، صائحين فينا «اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»، بينما هم يفتون فيما لا يعلمون. ونحن نصيح في وجوههم «اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».
ودعا حلمي سالم في هذا السياق لضرورة إلغاء قانون الحسبة نهائيا، والى الفصل بين المنظور الديني والمنظور المدني، بحيث يعزل الدين عن السياسة، وصولا الى دولة مدنية تحكم بالقانون وحده، ويصبح الدين فيها علاقة بين العبد وربه. وخلص حلمي في رده في أعقاب الضجة المثارة ضد قصيدته بتأكيد قوله ان «شرفة ليلى مراد» اليهودية التي أسلمت هي شرفة التسامح لا القمع، وشرفة المحاورة لا المصادرة، وشرفة الأمام لا الخلف.
أخيرا يبقي السؤال الصعب هل ستصدر المحكمة في جلستها المقرر في 4 ديسمبر المقبل حكما بتكفير حلمي سالم ليتكرر نفس السيناريو الذي حدث مع د. نصر حامد أبو زيد؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام المقبلة.