العادات السبع للناس الأكثر فعالية نموذجاً
تطوير الذات.. خدعة إعلامية.. أم حقيقة استغلت الضعف البشري
عرض: سعود العمر
هل (تطوير الذات – Self Help) خدعة؟ هل تحمل كتب تطوير الذات أي قيمة حقيقية؟، هل تتجاوز هذه الصناعة استغلال الضعف البشري السائد، والناجم عن تعقد، وتشعب، وقسوة، واختلال، الحضارة الحالية؟.
مبدأ تطوير الذات في الأساس مبدأ سليم، فأي محاولة لتحسين مستوى الإنسان على أي صعيد، وفي أي نطاق، تنتمي لمجال تطوير الذات؛ ومن هنا تظهر لنا مشكلة حصر وتقييم كتب تطوير الذات، فكل الكتب التي تقدم حلولا ووسائل تنموية في أي مجال تتدخل تحت بند تطوير الذات، مثل: (العلاقات، الصحة، الثراء، إدارة الوقت، الخطابة، القراءة السريعة، تقوية الذاكرة .. الخ)؛ وهذا سبب صعوبة إصدار حكم قطعي عليها، لذا سوف نجعل تعريف كتب تطوير الذات: (هي كل الكتب التي تجدها في المكتبات في القسم المعنون بـ«كتب تطوير الذات») .. أظن أنك عرفت الكتب التي أقصدها بهذا التعريف! .. التعريف متجاوز ولكنه يخدم هدفنا هنا.
تبدأ مشكلة هذه الكتب من العناوين، فعناوينها مفتعلة، ومبالغ فيها، بل وتستغفل الجمهور؛ عناوينها تأتي على شاكلة (كن ثرياً في خمس دقائق) و(النجاح في ثلاثة أيام)، هذه المشكلة، في معظم الحالات، لا علاقة لها بمحتوى الكتاب، أو حتى مؤلف الكتاب، لأن دور النشر، غالباً، هي التي تصر على هكذا عناوين، بالإضافة إلى أن المعلن، أيضاً، يستخدم جملا تسويقية على غرارها، ومن جهة أخرى، يشكّل ضعف الشريحة المستهدفة أرضا خصبة لأرباح فلكية بسببها، وهو ما يدفع دور النشر، والمعلنين، للاستمرار في مبالغاتهم هذه. في الحقيقة أنه حتى عنوان كتاب ( العادات السبع للناس الأكثر فعالية) هو عنوان مبالغ فيه، وحتى مؤلف الكتاب – ستيفن كوفي – كان يشير لهذه العادات في الكتاب بـ ( عادات الفعالية )، ولم يشر لها بالمبالغة الموجودة في العنوان.
والمشكلة الثانية، موجودة على الصعيد العربي، فكل كتاب يترجم من هذا المجال يتم وسمه بأنه (الكتاب الأكثر مبيعاً)، هذه الجملة أصبح القارئ العربي يتجاهلها كلياً، وكأنها غير موجودة تماماً، مع أنها من المفروض أن تكون دليلاً يساعده على اختياره؛ أعتقد أن دور الترجمة يجب أن تلحق مع هذه الجملة اسم القائمة، والتاريخ، والمدة التي ظهر فيها كأكثر كتاب مبيعاً؛ لزيادة مصداقيتها مع الجمهور.
أما المشكلة الكبيرة لمعظم هذه الكتب أنها تحاول أن تقدم إجابات سهلة وسريعة لمعضلات إنسانية – وأحيانا كونية – معقدة وضخمة، ومما يزيد الطين بله أن مؤلفي هذه الكتب يحاولون أن يقنعوا القراء أن هذه الإجابات علمية، ومجربة، وقابلة للتكرار؛ أي أنها سوف تحدث مع القراء كما حدثت مع المؤلفين، وكما حدثت أيضاً مع الأشخاص الملفقين المذكورين في هذه الكتب، بينما، حقيقة الأمر، أن كل هذه الإجابات، التي يقدمونها، لا تتجاوز كونها ( هراء ) منمقا، والمشكلة لا تقف عند هذا الحد، فالإجابات والتطبيقات قد تتجاوز كونها غير نافعة للقارئ، لتكون ضرراً ووبالاً عليه، سواء على المدى القصير، أو على المدى البعيد.
في برنامج نقدي شهير اسمه ( Penn & Teller )، قُدمت حلقة بعنوان (Self Helpless)، هذه الحلقة كانت ضربة قاصمة لصناعة تطوير الذات في الولايات المتحدة – عاصمة هذه الصناعة، في هذه الحلقة كشف البرنامج الحيل، والألاعيب، والسخافات التي تقوم بها مجموعات تطوير الذات، من (مشي على الجمر) و (مشي على الزجاج المهشم) و (كسر الألواح والطوب) وغيرها من التفاهات، والتي، للأسف، يبدو أنها بدأت تنتشر مؤخراً على الصعيد المحلي. وفي حلقة أخرى، من نفس البرنامج، اسمها ( Business of love )، قابل البرنامج مجموعة من مؤلفي كتب تطوير الذات المختصة بالعلاقات العاطفية، من بينهم (جون غراي) مؤلف الكتاب الشهير ( الرجال من المريخ والنساء من الزهرة ) ليكشف للجمهور مدى سطحية هذا المؤلف، ومدى سطحية كتابه، وإحقاقاً للحق؛ أنا لم أقرأ الكتاب، ولا أخطط لذلك، فبعد سماعي لكلام المؤلف، وإطلاعي على فقرات من هذا الكتاب في البرنامج، لست مضطراً – كما يقول “برنارد شو” – أن أكل البيضة كلها كي أعرف أنها فاسدة.
السؤال المهم الآن: كيف تعرف كتب تطوير الذات الجيدة؟، حقيقة أنه لا توجد إجابة قاطعة، فأنت الحكم؛ أهم شيء أن تستحضر فكرة أن كتب تطوير الذات الجيدة قليلة جداً؛ كي لا تغرك العناوين البراقة المبهرجة، وتعوّد أن تبحث عن كتاب يحاول أن يقدم حلا لمشكلة واضحة، ومحددة، ومعقولة، مثل: طريقة القراءة السريعة، استخدام خرائط العقل، تقوية الذاكرة، إتباع الأنظمة الصحية الغذائية، زيادة الفعالية .. الخ، وعموماً حاول أن تقلل منها قدر الإمكان كي لا يصيبك إدمان كتب تطوير الذات، والذي اعتقد أنه بدأ ينتشر مؤخراً محلياً؛ نظراً لكمية العناوين الهائلة التي أصبحت تنقل للعربية.. لا بد أن هناك من يقرأها!!.. وتبقى الطريقة الأهم هي (القراءة الناقدة)؛ قبل شراء الكتاب تصفحه بعين الناقد، وليس بعين المحتاج لحل المشكلة التي يدعي المؤلف انه يقدم حلاً لها في كتابه.
هناك عدد بسيط من كتب تطوير الذات، يكون مندرجاً أساساً تحت تصنيف مجال آخر، ولكنه أيضاً (كما اتضح لك من معضلة التعريف ) يدخل في نطاق كتب تطوير الذات، هذه الكتب تساوي قيمة – بل وتتجاوز – وزنها ذهباً، وعلى رأس هذه الكتب، بل إنه تاجها، كتاب: “العادات السبع للناس الأكثر فعالية”، كل ما ذكر عن سلبيات كتب تطوير الذات، باستثناء قضية ( العنوان )، ليس له علاقة أبداً بهذا الكتاب.
بيع من كتاب العادات السبع حتى الآن 15 مليون نسخة، وترجم لـ 38 لغة، والكتاب الصوتي الخاص بالعادات السبع هو أول عمل غير روائي يبيع أكثر من مليون نسخة، ولاحظ هنا أني أورد أرقاما محددة، ودقيقة، ولا أذكر جملة مبهمة مثل (انه من أكثر الكتب مبيعاً في العالم).
أعتقد أن كوفي ينتمي لمجموعة أفضل المعلمين في التاريخ، فأعداد طلابه – ومن دون مبالغة – بالملايين، فلشركته 128 فرعا في أمريكا الشمالية، و30 فرعا حول العالم، وهي تقوم بتدريب 750 ألف شخص سنويا، وبسبب هذه التدريبات، وبالرغم من أن الكتاب صدر في عام 1989، لم تتوقف مبيعات الكتاب حتى الآن، وهو مما جعل من كتاب العادات السبع (دجاجة تبيض ذهباً)، أيضا من الجدير بالانتباه أن أول ثماني عشرة شركة من أكبر مئة شركة أمريكية، من حيث المبيعات، هم من زبائن كوفي، وثلثي أول خمسمائة شركة أمريكية من زبائن كوفي أيضاً .. هذا الرجل لا يمزح أبداً.
الكتاب بسيط جداً لكنه قوي، وواضح وعملي جداً ولكنه عميق، أخلاقي للغاية ولكنه واقعي، ويحمل الكتاب ترابطا مدهشا للغاية في محتواه، ترابطا رائعا جداً لدرجة الأناقة، وما ذُكر هنا من أفكار لا يتجاوز كونه العمود الفقري للكتاب، ويبقى الكتاب مملوءا ومشحونا بأفكار أخرى جديرة بالقراءة.
وكما هو واضح، كوفي يدمج أفكاره في هذا الكتاب مع أفكار مفكرين وعلماء آخرين، كمثال حي وواضح على ( التكاتف ) الذي يدعو له في كتابه، من الأشياء المثيرة للانتباه في هذا الكتاب هي المواقف، والإحباطات، والمحادثات، اليومية البسيطة التي يتعرض لها كوفي ويستشهد بها، سواء مع أفراد عائلته، أو مع طلابه في الجامعة أو مع زبائنه في الشركة، مواقف قمة في البساطة، وتحدث مع كل الناس. لكن كوفي ينظر لها بعمق عجيب، ويخرج منها بدرر، أيضا قدرات كوفي في الاستشهاد والاقتباس غير عادية، لم أجد شخصا يتفنن في سرد الاقتباسات كما يفعل كوفي، اقتباساته مؤثرة جداً ورائعة للغاية.
جدير بالذكر أن كوفي اختارته مجلة “التايمز” في سنة 1996 كواحد من ضمن أكثر من 25 أمريكيا صاحب نفوذ في الولايات المتحدة، وفي نفس السنة وصفته نفس المجلة أنه من ضمن أهم 25 شخصية في الولايات المتحدة، وأيضا اختارت مجلة “فوربس” هذا الكتاب كواحد من أكثر عشر كتب تأثيراً على الإطلاق على صعيد إدارة الأعمال أو إدارة الحياة، وكوفي متحدث قوي ومطلوب بشكل مذهل وقد حاز جائزة (متحدث العام) في عام 1999، وعلى الصعيد العائلي حصل على جائزة “الأبوة” الدولية سنة 2003 كأب لتسعة وجد لأربع وأربعين .. في الحقيقة أن سيرة هذا الرجل هي خير برهان على فعالية أفكار كتابه.
ورغم تعدد كتبه، فإن معظمها مرتبط بالعادات السبع بشكل أو بآخر، فقد كتب كتاب ( قوة العادات السبع )، وكتاب (ما وراء العادات السبع)، وكتاب ( العادات السبع للأسر أكثر فعالية )، وكتاب (العادة الثالثة – الأهم أولاً )، وكتب أيضا كتابا كتتمة لكتاب العادات السبع (العادة الثامنة – من الفعالية للعظمة)، بل إن أحد أبناء ستيفن كوفي كتب كتابا عنوانه (العادات السبع للمراهقين الأكثر فعالية)، وكتاب (أهم ست قرارات سوف تتخذها في حياتك)، وله ابن آخر كتب كتابا بعنوان (سرعة الثقة).