الدولة المركزية والمجتمع المدني
نجيب الخنيزي
لا يمكن التطرق الى قضايا المجتمع المدني في المملكة، البدايات، المسار، المعوقات، والآفاق، بدون التطرق الى حدثين ومحددين أساسيين، هما أولاً: نشوء الدولة المركزية «الحديثة» الموحدة، ونشير هنا الى الإنجاز التاريخي، والتجربة الفريدة والهامة في منطقتنا (الخليج والجزيرة) حيث استطاع القائد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، بما امتلكه من كاريزما شخصية، وإرادة صلبة، وعزيمة وشجاعة، إلى جانب قدرته الفائقة في استيعاب ومعرفة الواقع الاجتماعي الملموس، ولموازين القوى على الأرض، وتجسيدها في خططه التكتيكية والاستراتيجية، ومستفيداً من طبيعة التناقضات التي حكمت الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، كل ذلك مكنه من تحقيق أول وحدة عربية ناجحة في العصر الحديث، على الشطر الأكبر من الجزيرة العربية، وذلك على أنقاض حال التخلف المريع، والاحتراب والتشرذم السائدين آنذاك في معظم أصقاع الجزيرة العربية، والذي استمر قروناً عديدة. وهذا لا ينفي بطبيعة الحال حجم التحديات، والصعوبات الكبيرة والخطيرة التي واجهت الملك عبدالعزيز، سواء في سعيه لإرساء التوحيد الجغرافي -المناطقي- القبلي في إطار حكم مركزي، والذي تكلل في الإعلان عن قيام الكيان السياسي الجديد «المملكة العربية السعودية» في 23 سبتمبر 1932 من جهة، ومن ثمة مواجهة تحديات ومتطلبات التوحيد الوطني- المجتمعي، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتسمة بالتخلف والركود الشديدين، الى جانب عمق الانقسامات (الجهوية والقبلية والطائفية) التاريخية المتأصلة منذ زمن طويل من جهة اخرى. ذلك ان إرساء معالم الدولة الحديثة والعصرية، لا يعتمد على إرادة ورغبة الأفراد فقط مهما عظم وكبر شأنهم، بل انها تتطلب وتستلزم حدوث تغيرات عميقة في المجتمع والاقتصاد والمفاهيم والممارسات. وعي الملك عبدالعزيز لهذه التحديات، جعله يتصدى لقوى الجمود والتعصب والتخلف، التي ناصبته العداء، لأنها لم ترغب أو لم تستطع استيعاب متطلبات واحتياجات الدولة الفتية في ترسيخ أقدامها، واحترام اتفاقياتها مع سكان المناطق المختلفة التي انضمت الى الكيان الجديد، والتقيد بمعاهداتها مع الدول المجاورة والأجنبية، ناهيك عن ضرورة مواءمة الشريعة مع معطيات العصر والحياة المدنية، وبأنه لا تناقض بين الأصالة والمعاصرة، وبين القديم والجديد، أو بين المحلي والوافد.
اعتمد الملك عبدالعزيز سياسة الإصلاح التدريجي، إلا أن ذلك أدى عملياً إلى ولوج المجتمع والنظام مرحلة جديدة، تقتضيها احتياجات ترسيخ دولة وكيان سياسي مركزي موحد، على الرغم من ضآلة أو عدم نضج المقدمات والمقومات المادية، أو توفر الخبرات العملية المسبقة.
من هنا نستطيع القول إن وجود الدولة (الحديثة) المركزية والقوية والمتجاوزة لمفهوم الدولة التقليدية القائمة على مفهوم الرعية، هو عنصر لازم وأساس لوجود وانبثاق المجتمع المدني. واذا كانت بدايات تشكل المجتمع المدني، قد سبقت أو واكبت ظهور الدولة القومية في اوروبا، غير انه لم يترسخ إلا بعد استكمال بنائها السياسي- القانوني في هيئة الدولة- الأمة، التي تستند إلى مفهوم جديد هي المواطنة، بحمولاتها من قيم وممارسات. اذن المجتمع المدني لا يتناقض مع وجود دولة وسلطة قوية كما هو حال المجتمعات الغربية حتى الوقت الحاضر، رغم انها استقالت أو تخلت عن كثير من وظائفها، ومهامها، وواجباتها الاقتصادية والاجتماعية التي اصبحت ضمن نطاق مسؤوليات (المنظمات غير الحكومية) المجتمع المدني. غير ان ذلك لا ينطبق بالضرورة على أوضاع الكثير من البلدان النامية، وفي مقدمتها البلدان العربية.
وفي ظل غياب وجود مجتمع مدني قوي وراسخ غالباً ما يؤدي إلى تفسخ النسيج المجتمعي- الوطني، لصالح إعادة إحياء وبعث المكونات والهويات الفرعية التقليدية (القبلية والعشائرية والاثنية والدينية والطائفية) مادون الوطنية. في ما يتعلق بالمملكة فإن نشوء الدولة المركزية الموحدة، مثل تاريخياً خطوة تقدمية الى الأمام، لأنها ببساطة خلقت الظروف الموضوعية الملائمة لتشكل مجتمعا موحدا، في دولة لها حدودها المتعينة، وأجهزتها ومرافقها المركزية، مثل الحكومة، الجيش، العملة النقدية، والتزاماتها تجاه السكان مثل التعليم والصحة والتوطين (للبدو الرحل). غير ان المجتمع آنذاك في مستوى ودرجة تطوره، ولأسباب موضوعية، كان يفتقر الى وجود مجتمع مدني، نظراً لغياب الطبقات والفئات الحديثة التي تمثل الشرط الأساس الثاني لوجود مجتمع مدني، وهذا لا يعني افتقاد اشكال أولية وبدايات جنينية، ونقابات وتجمعات الحرف والصناع والتجار والمطوفين، وقد حافظ الملك عبدالعزيز على تلك الصيغة.
أدت عمليات استكشاف البترول، ثم استخراجه لاحقاً اثر منح حكومة المملكة في عام 1933 امتيازاً للتنقيب عن البترول لشركة ستاندرد اويل اوف كاليفورنيا، الى تبدلات بنيوية عميقة، وغير مسبوقة، وفي مقدمتها ظهور التشكيلات الطبقية، والفئات الاجتماعية الحديثة، التي تعتبر الشرط الضروري (بعد وجود الدولة) الثاني، لقيام المجتمع بوجه عام، والمجتمع المدني بوجه خاص.. وهو موضوع مقالنا القادم.