الرواية السعودية .. إشكالية القراءة ومنطق القارئ
علي الشدوي
تُعد قراءة الرواية في المجتمع السعودي ممارسة شائعة ومألوفة، وقائمة الكتب الأكثر مبيعا التي تصدر عن المعارض التي تقام محليا، وما يُقرأ ويُعرض في نوادي القراء في المنتديات والملتقيات الإلكترونية، والطلبات والاستفسارات عن الكتب في مواقع المكتبات، وحفلات توقيع الروايات، ومحاور عمل الأندية الأدبية، ونجومية الروائيين، والعدد الكبير من الروايات الصادرة في السنوات الأخيرة يشير إلى ذلك، وبالرغم من هذا، إلا أن تجربة القراءة هذه ما تزال مجهولة إلى حد كبير؛ بسبب ما يبدو من الوهلة الأولى أن القراءة بشكل عام، وقراءة الرواية بشكل خاص عملية تُمارس بشكل طبيعي، وأن لا شيئاً جديداً يمكن أن يضاف أو يقال عنها.
إننا نعرف الآن أن الدراسات الأدبية عرضت مسألة القراءة من منظورات مختلفة: المنظور الأول يتعلق بتنوع واختلافات القراء، والمنظور الثاني يتعلق بصورة القارئ كما هي في نصوص محددة، أما المنظور الثالث فيتعلق بمنطق القراءة . غير أن هناك منطقة تحتاج إلى اكتشافات أعمق ومن منظور القراء، لكن ليس من زاوية تنوعهم التاريخي والاجتماعي والجمعي والفردي، بل من زاوية معتقداتهم القرائية ما يبرر هذا المنظور، هو المعتقدات القرائية التي تسود المجتمعات، والتي يخضع لها القراء يوميا. هذه المعتقدات تتكون من أفكار ومفاهيم تتعلق بما يقرأون، تقبلها الناس كما لو كانت حقائق ذات طابع فكري محض. بعض هذه المعتقدات يثق بها الناس ثقة عمياء، ويؤمنون بها من غير أدنى شك ؛ وكون بعضها تأخذ صيغا دينية أو قيمية، أو تصدر عن مرجعيات دينية أو علمية أو ناطقين عنها، فلا أحد يستطيع مناقشتها.
من الصعب تتبع أصول هذه المعتقدات، لكن وبشكل عام يمكن القول: إنها مرتبطة بتقاليد وعادات وتجارب قرائية، بعضها موروث، وبعضها طارئ، وتلعب المرجعيات الدينية والثقافية، والنقاشات العابرة والموجهة دورا في نشوئها أو تكريسها، وفي ظروف ممارساتها. إنني أطمح أيا كان نقص هذا الموجز، أن يكون قد جعل من الممكن تعرف معتقدات القراء السعوديين؛ وتأمل أصولها المعرفية؛ فهذا السلوك المدفوع نحو قراءة الرواية، لا يمكن أن ننظر إليه بمعزل عن الضغوط التي يمليها عليهم نظامهم الفكري، ومدى تفاعلهم معه، وبالتالي فمعتقداتهم القرائية تشير إلى نوعية المعرفة التي يمتثلون لها، وزاوية سقوطها عليهم.
معتقدات قرائية
جمعت ُ مادة المعتقدات القرائية بطرق مختلفة؛ كالحوارات والأسئلة، ومتابعة نوادي القراء الإلكترونية، وتغطيات الأمسيات التي أقيمت مع روائيين، وما نشر في الملاحق الثقافية، وقد صنفتها إلى أربع مجموعات: المجموعة الأولى: تتعلق بطبيعة الرواية من حيث هي نوع سردي، والمجموعة الثانية تتعلق بعلاقة الرواية بالمؤلف، والمجموعة الثالثة بعلاقتها بالقارئ، والمجموعة الرابعة من حيث علاقتها بالمجتمع، وقد اقتصرت هذه المقاربة على تعرف المعتقدات القرائية المتعلقة بطبيعة الرواية، وتأمل أصولها المعرفية، لأسباب تتعلق باختيار فكرة واحدة وتأملها. بلغت المعتقدات القرائية في هذه المجموعة ما يقارب (81) معتقدا قرائيا، وقد عددت كل معتقد تكرر (10) مرات معتقدا شائعا. بناء على ذلك رشحت المعتقدات التالية:
-الرواية نوع سردي كرسه الغزو الفكري للمجتمع.
-الرواية نوع سردي يهدف إلى التسلية وقضاء أوقات الفراغ.
-الرواية نوع سردي لا يعدو أن يكون نسيجا من أوهام المؤلفين.
- الرواية نوع سردي مبتذل وغير محترم.
-الرواية نوع سردي يعيش على التافه ومخالفة المألوف.
- الرواية نوع سردي خطر على الذوق والأخلاق العامة.
-الرواية نوع سردي لا علاقة له بالحياة التي نعيشها.
-إذا كان لا بد من الرواية، فيلزم أن تخدم الدين، وتتقيد بقيمه.
-يلزم أن تظل الرواية تربوية في المقام الأول.
-هناك خطورة من إدراج الرواية في التعليم العام أو الجامعي.
- إذا كان لابد من إدراج الرواية في التعليم، فيلزم أن تكون رواية إسلامية.
-دعم الرواية نشرا وإعلاما جزء من إستراتيجية لتفكيك قيم المجتمع.
- الرواية نوع أدبي، قراءته لا تنفع، وعدم قراءته لا تضر.
تقترح هذه المعتقدات القرائية جملة من الأسئلة: كيف تشكلت ؟ ما العمليات التي تشكلت من خلالها ؟ ما الآفاق المعرفية التي جاءت منها؟. ستكون هذه الأسئلة مدار ما تبقى من هذه المقاربة، وسأكون مجبرا في حدود هذا الملخص على الاكتفاء بفحص مقتضب، وسأحاول رسم خطوط عريضة في هذا الاتجاه، لن تكون كافية لاستخلاص تعميمات ذات مغزى عميق، وستبقى في حالة فرضيات أولية.
مبدئيا يمكن أن نستشف من وراء هذه المعتقدات القرائية ما يدعوه جولدمان بـ”مأساة الرفض” أعني بذلك حالة ذهنية تعبر عن أوضاع تعانيها بعض المجموعات البشرية، وهي تواجه تنامي انفلات السلطة الاجتماعية التي تملكها. تعترف هذه المجموعات البشرية بالتطورات، وتعترف بعجزها عن إيقافها، وما يمكنها فعله هو أن تفرض تصوراتها وشروطها لتقبل أي إنتاج أدبي جديد لكي يحظى برضاها.
صحوة روائية
مأساة الرفض هذه، تحدث عنها الدكتور معجب الزهراني وإن كان بشكل غير مباشر في مقال له بعنوان “ هذه الصحوة الروائية هي خطاب الواقع الجديد “. يتحدث المقال عن أننا أمام خطاب روائي جريء وجديد يشق مجراه ويوسعه بانتظام، وكأن اللحظة الزمنية الراهنة هي التي تنتجه وتؤمن تداوله. وأن دوران هذا الخطاب السردي المتخيل حول “المسكوت عنه” في الخطابات السائدة هو شكل من أشكال استدراج القارئ المفترض ليرى ويسمع ويتحدث ويكتب ويعيش هو أيضا بطريقة جديدة لم يألفها من قبل .
الجماعات التقليدية التي تحدث عنها المقال، والتي جاءت من البوادي والأرياف، ومن الداخل والخارج، والتي ما تزال جزرا معزولة تحاول التمسك بثقافاتها الجهوية، والتي تعيش وتعاني هذه الوضعية الانتقالية القلقة المتوترة لأنها لم تنجح بعد في تحقيق عمليات الاندماج. هذه الجماعات هي التي تنشأ وتزدهر في ظلها مثل هذه المعتقدات القرائية، وبالعودة إلى المقال وحديثه عمن يفضل البقاء في مرحلة ما قبل القراءة والكتابة. أقول إن هؤلاء هم من ولّدوا مثل تلك المعتقدات القرائية لكي يرضوا عن أي إنتاج أدبي جديد.
هذه المجموعات البشرية لها تصورات محددة لوظيفة الرواية وجمالياتها ؛ فوظيفتها إصلاحية وتربوية وأخلاقية، و جمالياتها تقاس بالمحتوى، وعليه فمحتوياتها يلزم أن تُراقب، وأن يُدرج شكلها الأدبي في مشروع ثقافي يشهد على انتصار الشرعية المحلية. الرواية من وجهة نظر هذه الفئة الاجتماعية مصدر خطر على المجتمع ؛ لأن شكلها له القدرة على أن يعطل انتباه القارئ وتفحصه الدقيق .
بالنسبة لهذا القارئ سيكون محتوى الرواية حقيقة تستمر حقيقته حتى بعد أن ينتهي من القراءة. هذا هو الجانب المرعب والمخيف. ما الحل إذن ؟. الحل أن تسند إلى الرواية مهمات ثقافية أساسية كالإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، وتشخيص مشكلات المجتمع، وتزكية الثقافة المحلية، وهذا يستدعي أن يتحكم في المحتوى، وأن تُدفع الرواية إلى وظيفة، وأن يسند إليها مهمات اجتماعية وأخلاقية وتربوية ينبغي لمحتواها أن يساعد على القيام بها. ما يغيب عن هذا التصور لوظيفة الرواية، والذي يفرز مثل هذه المعتقدات القرائية، هو أن تعليق الرواية للأخلاق وأحكامها لا يعني عدم أخلاقية الرواية، بل أخلاقياتها ؛ ذلك أن أخلاقية الرواية “ تعارض الممارسة الإنسانية الراسخة التي تحكم فورا وباستمرار، وعلى كل الناس، بحكم مسبق ودون فهم. هذا الاستعداد للحكم هو برأي حكمة الرواية، الحماقة الأكبر مقتا، والمرض الأشد إيذاء، وهذا لا يعني أن الروائي ينكر بالمطلق شرعية الحكم الأخلاقي، إنما يؤجله إلى ما وراء الرواية “ (كونديرا). إذا أردنا أن نفهم أكثر شيوع مثل هذه المعتقدات القرائية، فلا بد من أن نأخذ بعين الاعتبار فكرة الجماعة، ذلك أن الرواية وهي تسعى إلى أن تضع حدا للشفاهية، لتؤسس للذات فرديتها، وللكتابة وطرق تفكيرها، هناك من يسعى لمراقبة المكتوب ؛ ليتأكد من اشتغال الذاكرة الجماعية، ففي إطار مجتمع تقليدي يمحو الاختلافات بين الأفراد لصالح الجماعة تولد مثل هذه المعتقدات القرائية، وتلعب المرجعيات القبلية والدينية دورا في ذلك، حتى ولو على مستوى رمزي بما أن الفرد عضو في القبيلة أو الأمة. بصيغة أخرى يمكن القول: إن انشغال المجتمع بفكرة النمط الواحد، والقيمة الواحدة، والمذهب الواحد، والرأي الواحد، وتحكم فرضيات: ألا يرى أفراد المجتمع الأشياء بصورة مختلفة، أو يريدوا أشياء مختلفة، أو يفكروا على نحو مختلف، وأنهم يجب أن يكونوا متشابهين، وألا يختلفوا عن بعضهم البعض. كل هذا غيب مفهوم الفرد لصالح فكرة الجماعة. سأتطرق فيما يلي إلى تصورات متعلقة بطبيعة المعرفة والمعنى التي يمكن أن تفرز مثل هذه المعتقدات القرائية، وسأقتصر في هذا الصدد على إبداء الملاحظة التالية: يتحصل الإنسان التقليدي على أفكاره من الخارج، وهذا له علاقة مباشرة بتصوره لطبيعة الحقائق والمعنى والمعرفة . بناء على هذا يمكننا أن نتفهم كون المعرفة عنده لا تتغير وتبقى مثلما هي، وتصور المعنى على أنه نهائي وثابت .. هناك مجموعات بشرية تشيع مثل هذه المعتقدات القرائية ؛ لأنها تتصور أنها تعرف كيف ترى الأشياء التي تبقى مخفية عن الآخرين، وتملك القدرة على رؤية ماهو تحت الظاهر، أما الباقون فهم من وجهة نظرها غير موجودين ثقافيا، لذا ينبغي أن يتمثلوا طرق تفكيرها، ويتبنوا مواقفها، ويشاركوا في نشاطاتها لكي يتعلموا. من المهم هنا أن نميز بين الطريقة التي يتحول فيها القارئ إلى وعاء يملأ من قبل جماعات بشرية، والتي تنشأ في ظلها هذه المعتقدات، وبين الطريقة التي يبني فيها القارئ المعنى. وإذا كان القراء مختلفين، فسيكونون معنى على نحو مختلف، وقراءة الرواية تشجع هذا التعدد و تتحمس له، ونعتز به ونحتفل، وتجعل القراء يفهمون كيف أنهم مختلفون مثلما هم الناس مختلفون ومبتكرون بشكل لافت وبديع .
تكوين المعنى
لماذا تتحمس الرواية لهذا التعدد في تكوين المعنى ؟ لأن طرق تفكير الناس مختلفة، ولأن المعنى ليس شيئا يمكن أن يمنحه أحد لأحد، ولأن تكوين معنى ما لا ينجم عن مجرد تلقيه من آخرين، ولأن المعنى ليس ثابتا ولا نهائيا، وأخيرا لأن المعرفة عملية تغيير مستمرة، فما يعترف به الناس اليوم على أنه حقيقة، يعتبر مؤقتا، وبالتالي تكون معرفتهم معرضة للتغير في ضوء ما يستجد من أفكار وخبرات ومعلومات.
عندما يتم الاعتراف بأحقية القارئ في أن يكون معناه تصبح القراءة شيئا أكبر من مجرد علاقة بين إنسان ورواية، وتتحول القراءة من حيث هي تكوين للمعنى المختلف والمتعدد من قبل قراء مختلفين ومتعددين إلى فضائل يومية، وطرقا يعتادون عليها، ليس فقط في القراءة بل في الحياة. وبهذا التعدد في تكوين المعنى نتدرب على الحياة، وكيف أن كل واحد منا يكون وجها من وجوه الحقيقة، وجانبا آخر من جوانب الواقع، كل منا يضيف لونا آخر لطيف الحياة، وكما قال (يونج) تتطلب الحقيقة، إن كانت موجودة أصلا، كونشرتو من الأصوات المتعددة، وفي رواية ديستويفسكي (الجريمة والعقاب)، تقول إحدى شخصياتها (رازوميخين) “ لأن يخطئ الإنسان بطريقته الشخصية، فذلك أفضل من ترديد حقيقة لقنه إياها غيره، أنت في الحالة الأولى إنسان، أما في الحالة الثانية فببغاء، الخطأ الأصيل خير من الحقيقة التافهة، الحقيقة لا تطير ويمكن أن تستعاد أما الحياة فيمكن أن تدفن إلى الأبد “ كان يقول هذا ويصرخ “ هل أنا على صواب ؟ “. إن تكوين المعنى من قبل القارئ لا يتطلب أن يكون ثمة أحد على حق أي “ إما وإما “ كما تفصح هذه المعتقدات القرائية، ونحن نعرف الآن أن صيغة “ إما وإما “ عاجزة عن تحمل النسبية الجوهرية للأشياء الإنسانية، ومن الصعب بسبب هذا العجز –وكما يقول أحد الروائيين – قبول وفهم حكمة الرواية (حكمة اللايقين).
مفهوم الواقع
أود أن أضيف إلى ما قلته: قلق مفهوم الواقع في صورة مشكلة اجتماعية. هذا الغياب يفرز مثل هذه المعتقدات القرائية، فالمجتمع السعودي يوجد في صورة أخلاقية، صورة فضائل أو رذائل، خطأ أو صواب، عيب أو عدم العيب، ويعيد فضائله أو رذائله، صوابه أو خطأه، عيبه أو عدم عيبه إلى الأفراد لا إلى المجتمع، وبذلك يعتمد على نظام ثقافة أخلاقي يجعل من الفرد الذي يتحلى بالأصل النبيل، والثقافة الرفيعة، قادرا بنفسه على ضبط أخلاقياته، وفي مثل هذه البيئة تولد وتشيع هذه المعتقدات القرائية. الروائي ذو الأصل النبيل، والمثقف ثقافة عالية، والعاقل من وجهة نظر المجتمع السعودي الموجود في صورة مشكلة أخلاقية يجب أن يحافظ على تماسك النظام الأخلاقي، فلا يظهر، ولا يسلك إلا ما يرضاه المجتمع، إنه يتمتع بقوة ضبط ذاتية تساعده على أن يحافظ على أسراره وأسرار المجتمع، فهو نبيل بقدر ما يمتثل لنبله الأخلاقي، مثقف ثقافة حسنة بمقدار ما تعينه ثقافته على الظهور الحسن أمام المجتمع، عاقل بمقدار ما يعقله نظام المجتمع الأخلاقي .
يمكن أن أوظف مقارنة تعبر بالقدر الكافي عن الروايات التي تكتب في ضوء هذين التصورين فهما يؤثران في كتابة الرواية، و تمثيلات المجتمع اللغوية المكتوبة بها الروايات يمكن أن تفصح عن هذا، فنظام الثقافة الأخلاقي المعتمد على ضبط النفس، يتجلى لغويا في لغة روائية متعالية، وتعبيرات مواربة عن العلاقات بين البشر، لغة (مؤدبة)، مموهة بالبلاغة والانشغالات الجمالية.
في مقابل هذه اللغة، التي تمثل المجتمع في صورة مشكلة أخلاقية، هناك لغة تمثل المجتمع في صورة مشكلة اجتماعية، لغة روائية عادية تخلو من أي انشغالات جمالية، لغة أقرب إلى أن تكون لغة شعبية مفعمة بالحياة اليومية، وبالواقعية المبتذلة وبالرطانة والهجنة، لا تجد حرجا في استعمال كلمات جنسية، ونعوت مقذعة.
مثل هذه اللغة تؤذي الأفراد الذين يتصورون المجتمع في صورة مشكلة أخلاقية، على سبيل المثال نشر عبده خال روايته (مدن تأكل العشب) في جريدة عكاظ تحت عنوان (أمامي ترحل العصافير) وبما أن شخصياتها تحتفي باللعن والشتم، فقد كتب إليه أحد القراء مستهجنا ومعترضا. نشر هذا القارئ رسالته المطولة في كتاب بعنوان “ وقفات مع عبده خال في روايته أمامي ترحل العصافير “ فكرة هذه الرسالة هي أن توجيه اللعن والشتم واستخدام الألفاظ المقذعة لا يجوز حتى لو كانت في رواية، وأن فرض عبارات غير لائقة على القارئ واختيار أقذع الألفاظ وأخبثها، لا يؤدي إلى هدف ولا يحققه إلا إذا كان من قبيل استحسان ما ليس حسنا.
على القارئ قبل أن يتهم الروائي أن يتعلم الحياة، وأن يعيش الواقع، والشخصية الروائية حينما تتكلم وتسب وتلعن هي نموذج إنساني لما هو حادث، ومن ثم فلا شيء مما هو إنساني غريب عنها. إن الإنسان - أحيانا - لا يملك إلا أن يشتم ويسب. مرة أخرى سنعود إلى ديستويفسكي في روايته (قبوي) حيث تقول إحدى شخصياتها: “ الإنسان لا يملك شيئا إلا أن يلعن، وهذه ميزته التي ينفرد بها دون سائر الحيوانات”.. هل انتسجت أفكار كثيرة فيما قلته؟ وإذا ما انتسجت فأي فكرة أمسك؟ سأتمسك بفكرة أن هذه المعتقدات القرائية تكونت في ظل نظام فكري. أعني بنظام الفكر المسلمات العقلية ومبادئ الإدراك والتأويل، وأهم ما فيه الاعتقاد بأن هناك نوعا من المعرفة هي أصدق أشكال المعرفة، وتُقدم في صورة معرفة يقينية لا تساير الرؤية الجدلية والوقتية، وقد ترتب على ذلك تصورات متعلقة بفكرة الجماعة، والواقع، والحقيقة والمعنى ووظيفة الفنون ساهمت مجتمعة في نشوء هذه المعتقدات القرائية.