لم أكن أتوقع أن ذلك سوف يحدث إلى أن رأيته بعيني، وهو هدم وإزالة سور ومباني أحد المشاريع المتعدية على شاطئ خليج أبحر. كان جميلا ومنعشا أن تظهر زرقة البحر مرة أخرى في ذلك الموقع وأن يعود نسيمه إلى الهبوب منه. وكنت قد كتبت عن هذا التعدي قبل عدة أشهر وكتب عنه غيري ممن اعتاد التنزه في تلك المنطقة العامة التي تقع مباشرة على البحر والتي كانت تغص بالمتنزهين إلى أن قام أحد الناس بوضع يده تدريجيا عليها وتسويرها ثم إنشاء بعض المباني الاسمنتية عليها وتحويلها إلى مقهى مع حرمان العامة من الوصول إلى البحر أو حتى من رؤيته عندها. اتصل بي وقتها أحد الإخوة الأفاضل من أعضاء المجلس البلدي بجدة وأبلغني عن اهتمام المجلس بحادثة التعدي تلك وعزمه على إجراء التحقيق اللازم بشأنها بالتعاون مع أمانة جدة. ويبدو أن ذلك التحقيق استغرق تلك الفترة الماضية إلى أن تمت مؤخراً إزالة التعدي وعودة الحق العام إلى نصابه. التعدي الذي أتحدث عنه صغير في مساحته إلى درجة تشعرك أنه لا يستحق الحديث عنه، ولكن تحرك المجلس لحماية الشاطئ كبير في مضمونه، لأنه هو الوسيلة المطلوبة

المأمول ألا تحدث تعديات على الممتلكات العامة وأن يشعر
كل مواطن أنها ملك له

لإيقاف الاعتداء على الممتلكات العامة والاستخفاف بالأنظمة. أما السكوت عن مثل هذه الاعتداءات، مهما صغرت، فهو الضمان لاستمرارها وتفاقمها.
من أهم خصائص المخالفات والتعديات أنها تتوالد وتستنسخ نفسها بسرعة فائقة لأن كل تعد ناجح يجر وراءه تعديات كثيرة إلى أن يصبح التعدي الصفة السائدة ويصبح إتباع النظام الاستثناء، ولذا فمن المهم أن يسري نفس الإجراء ونفس المعاملة الحازمة على أي تعد مماثل على الشاطئ وألا يكون هناك تفرقة بين متعد وآخر. ومن المهم الإعلان عن أي إجراء يتخذ بشأن أي اعتداء حتى يتعظ كل من تسول له نفسه القيام بمثل هذه الأعمال.
المأمول طبعا أن لا تحدث أية تعديات على الممتلكات العامة من الأساس، وأن يحس كل مواطن أن هذه الممتلكات هي ملك له ولأبنائه وأحفاده كما هي ملك لغيره وأبنائهم وأحفادهم، ولذا فإن المحافظة عليها من أساسيات المواطنة الصالحة، أما التعدي عليها فلا يصح حتى مجرد التفكير فيه. والمأمول كذلك، في غياب هذا الوضع المثالي أن ينتبه المسئولون في البلديات المعنية إلى التعديات في مناطق عملهم قبل حدوثها وأن يؤدوا دورهم في إيقافها ضمن واجباتهم الاعتيادية وقبل أن يحس بها المواطن، وهذا لا شك يحدث في أحيان كثيرة. ولكن الواقع هو أن بعض التعديات تفلت من عين الرقابة لسبب أو آخر، مثل التباطؤ أو التساهل أو الإهمال أو تقاعس بعض ضعاف النفوس من الموظفين في إيقافها إلى أن تصبح شيئا مألوفا وتفرض نفسها على الواقع. وهذا يؤكد أهمية دور المواطن في التبليغ عن التعديات للجهات المختصة، ولا شك أن تجاوب هذه الجهات السريع يشجع المواطن على أن يكون عاملا فاعلا في المساعدة على حماية الممتلكات العامة الواقعة في محيطه وفي تطبيق الأنظمة التي تحافظ على هذه الممتلكات.
عودة مساحة صغيرة من الشاطئ إلى وضعها الذي كانت عليه جعلتني أشعر بأهمية كل شبر من هذا الشاطئ ،كما جعلتني أفكر بالجمال الذي نهدره بالترخيص لمشاريع كبيرة تغطي بأسوارها ومبانيها مساحات هائلة من الشاطئ وأتساءل : بأي حق يتم حجب هذا الجمال عن الأغلبية العظمى من المواطنين؟ وإلى متى تستمر هذه المشاريع ويحجب هذا الجمال؟ شكرا للمجلس البلدي في جدة على التحرك لإزالة التعدي الذي حجب زرقة البحر في مساحة صغيرة من الشاطئ، وأملنا أن يعمل هذا المجلس على منع كل تعد مشابه وعلى عودة مساحات أكبر من الشاطئ إلى وضعها الجميل الذي كانت عليه.