لا أتحدث هنا عن استراتيجية الاكتفاء الغذائي الذاتي، الكامل أو الجزئي بالرغم من أهميتها، ولا أتحدث هنا -أيضاً- عن مفهوم الأمن الغذائي المطلق الذي يعني انتاج الغذاء داخل المملكة، وهو هدف وطني مشروع؛ ولكنني سأتحدث عن الأمن الغذائي النسبي -وهو أضعف الأيمان- وأعني به قدرة وزارة الزراعة وكذلك وزارة التجارة على توفير احتياجات المجتمع السعودي من السلع الغذائية الأساسية للمواطنين بشكل دائم وبأسعار في متناول الجميع، مع مراعاة مفهوم منظمة الصحة العالمية للأمن الغذائي، الذي يؤكد على أن الاهتمام الغذائي يجب ألا ينصب على توفير السلع، بل على الجودة والنوعية، ومؤخراً برز اهتمام كبير في المنظمة للتركيز على الأبعاد الصحية للسلع الغذائية، بعيداً عن مفهوم الوفرة وتواضع الأسعار.
خلال الأشهر الماضية تعرض مفهوم الأمن الغذائي السعودي لهزات واضحة،

هل نستطيع حماية الوطن والمواطن من الأخطار التي تداخل فيها الاقتصادي بالسياسي

سيما في السلع الأساسية مثل أسعار الأرز والخضروات، فتارة يتم تحميل موجة الصقيع في سيبيريا إشكالية ندرة وغلاء بعض السلع، وتارة أخرى يتم تحميل الفيضانات في الهند والصين أزمة ارتفاع الأسعار، وتارة ثالثة يتم تحميل بعض الدول الإقليمية- التي بادرت إلى زيادة مخزونها الغذائي- مسؤولية شح السلع وارتفاع أسعارها، ولكن تبقى النتيجة واحدة، وهي اضطراب الأمن الغذائي السعودي، لجهة ارتفاع أسعار بعض السلع وندرتها أحياناً، وهي ما يتعارض ومفهوم الأمن الغذائي الذي يعني حصول الناس في كافة الأوقات على الغذاء المناسب من حيث السعر والجودة والكمية والتنوع، وهذا يتطلب القدرة على إنتاج واستيراد الأغذية وتخزينها وضمان الحصول عليها بصورة منصفة. لذلك نجد في جمهورية مصر استراتيجية الأمن الغذائي تشمل تطبيق قروض ميسرة لمشروعات غذائية، مثل مشروع الفلاح الصغير، وبرامج تسمين المواشي ومشاريع تربية الدواجن، بينما نحن في المملكة، نتجه إلى استيراد القمح خلال السنوات القادمة، والتوسيع في استيراد الأغنام والدجاج من الخارج، كما نواجه تحديات في توفير السلع الرئيسة بالجودة والسعر المناسبين.
أعتقد أننا بحاجة إلى تصميم استراتيجية وطنية للأمن الغذائي السعودي، وهذه مسؤولية وزارة الزراعة، التي يفترض أن تتمحور منهجيتها حول المشاريع المتوسطة والصغيرة، ضمن رؤية واضحة واستراتيجية محددة، فالفلاح هجر فلاحته وقريته، وراعي الأغنام ترك مواشيه، وأهل السمك تركوا البحر إلى الوظيفة والمدينة وتحولنا إلى مجموعة من المستهلكين والمستوردين لغذائنا الأساسي، فهل نستطيع حماية الوطن والمواطن من الأخطار المحدقة، التي تداخل فيها الاقتصادي بالسياسي بالأمني وذلك عبر منهجية التوسيع في التنمية الوطنية الغذائية الذكية والمستدامة، ومراقبة بورصة الأسعار محلياً والتدخل بالمخزون الوطني أو الاستيراد المبكر عند الحاجة.
alfirm@gmail.com