عبدالرحمن بن عبدالعزيز العثمان
القضية الفلسطينية هاجس المملكة وهمها الأكبر
يذكر د. عبدالله الأشعل في كتابه «المملكة العربية السعودية وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي» ص11 أنه في دراسة عن الثورة الفلسطينية سعت الحكومة البريطانية إلى توسيط الملك عبدالعزيز، وبعض الزعماء العرب مع الفلسطينيين لوقف الثورة مقابل تعهد بريطانيا بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين باعتبار أن الهجرة هي سبب هذه الثورة، وكان وقفها هو مطلبها الرئيس.
ولكن الدوائر الصهيونية عملت على عرقلة هذا الخط، وكشفته في الصحافة وفي البرلمان. كذلك توضح هذه الدراسة أن الملك عبدالعزيز هو الزعيم العربي الوحيد الذي لم توعز له بريطانيا بالتدخل، فضلاً عن أن الملك عبدالعزيز تدخل إما بمبادرة منه، أو بعد استنجاد الفلسطينيين به لمساعدتهم، ويستطرد د.الأشعل:
«ويتضح لنا من الوثائق البريطانية أن الشيخ كامل القصاب مبعوث الملك عبدالعزيز قد قرأ على اجتماع اللجنة العربية العليا رأي الملك الذي ترك للجنة وقف الإضراب أو استمراره على ضوء مصالح البلاد وقدرات الثوار، وأنه وعد في الحالتين بمساعدتهم ومساندتهم، وصارحهم بأنه اتصل بالحكومة البريطانية عدة مرات لكي تتعهد بوقف الهجرة مقابل تعهد الملك بوقف الإضراب، ولكنها لم تمنحه هذا التعهد.
وهذا يصحح ما رددته اللجنة من أنه لولا الوساطة العربية لاستمرت الثورة ونجحت في وقف الهجرة» والحقيقة ان اهتمام الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بالقضية الفلسطينية وتفاعله مع أحداثها لم يبدأ في العام 1936، بل إنها -ورغم مشاغله العديدة- شكلت محور اهتمامه منذ أحداث البراق عام 1929، «حيث استنكر الملك اعتداء اليهود على المصلين المسلمين في المسجد الأقصى في أكتوبر 1929» وأرسل برقية إلى ملك بريطانيا يحتج فيها على هذا العدوان، وينقل أكرم زعيتر عن عوني عبدالهادي صوراً عدة من مظاهر اهتمام الملك بالقضية، كما يشير إلى زيارة ولي عهده الملك سعود إلى نابلس عام 1935م للاطلاع بنفسه على الوضع في فلسطين.
وقد اتخذ دعم الملك عبدالعزيز للثورة الفلسطينية الكبرى عدة مظاهر واتسم بالعديد من الخصائص، من ذلك أنه لم يكن يتحرك في دعمه للثورة تحت ضغط الشعب، بل كان هو الذي يحرض الشعب للضغط عليه.
وهناك وثيقة تاريخية تمثل لهذا الاتجاه الفكري والسياسي من جانب الملك عبدالعزيز مع شعبه، وهي برقية بعث بها إلى أمراء المناطق في جمادى الأولى عام 1356هـ/ 1937م، ومنهم أمير منطقة الجوف عبدالعزيز السديري يقول فيها: «لابد عندكم خبر من الجرائد والإذاعات عن مشكلة فلسطين بين اليهود والعرب. وقبل يومين أصدر الإنجليز قراراً بأن تكون فلسطين ثلاثة أقسام: قسم لليهود، وقسم للعرب، وقسم للانتداب. وهذا لاشك قرار مضر بالإسلام والعرب عاجلاً أم آجلاً، فأنت تقوم بالمسألة وتتكلم مع إنسان طالب علم وتعيد كأن المسألة منك أنت، وإن هذا أمر بلغك ولم يزعجك، وأنك تبي تكتب لنا عنه أنت وأهل الجوف وتروي بالمسألة عالم، وتستلحق عقلاء وكبار أهل الجوف، وتتكلم معهم وتقول لهم بأنكم تكتبون احتجاجاً لعبدالعزيز على القرار الذي صدر، وأنه أمر مخل بالدين والعروبة، ويطلبون منا أننا نقوم بالمسألة، ونعاضد أهل فلسطين، ولابد عندكم من يكتب في هذه المسائل، واكتبوا إقرارات الاحتجاج مفتوحة ممضاة بأسماء كبار أهل الجوف وعلمائهم، ثم بعد ذلك خلي يصير شهامة وتحمس لأهل فلسطين في البلاد، والبرقيات تكون تصلنا بكرة».
ويذكر لسلي ماكلوغلن أن تعقيدات المسألة الفلسطينية عنت أكثر حضوراً وقوة وشعوراً بالمرارة في نفس الملك عبدالعزيز نتيجة قمع بريطانيا لثورة الفلسطينيين.
والواقع أن الملك عبدالعزيز كان يواجه وضعاً معقداً وقد سعى في أكثر من خيار واحد، فعندما أرسلت بريطانيا إشارة حول نشاط يوسف ياسين في دمشق، نقل عنه قوله علناً:
«إن ابن سعود يخطط لمقاطعة بريطانيا وإرسال أسلحة للفلسطينيين إذا لم تصغ إلى مطالبه في فلسطين، وكانت الإشارة تتضمن أسماء زعم أنها قيادات فدائية (مثل نبيه عزمي)، وأن لياسين اتصالات بها. وكان الملك عبدالعزيز تربطه بالعديد من القادة والمجاهدين الفلسطينيين صلات قوية. وبلغ من اهتمام الملك عبدالعزيز بالقضية الفلسطينية إبان حوادث الثورة أن قام بنشاط واسع على الصعيدين الداخلي والدولي.
ففي الفترة ما بين عامي 1936 و1937 أمر الأمير فيصل بن عبدالعزيز نائب الملك بالحجاز بتأليف لجنة في كل مدينة وقرية تسمى لجنة فلسطين مهمتها العمل على إسماع العالم العربي والإسلامي والعالم أجمع صوت الشعب السعودي وإمداد الحركة الوطنية الفلسطينية بكل المعونة التي يقدمها الشعب السعودي، ليشترك مع حكومته في مساندة الحركة.
والجدير ذكره أن صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض كان قد كشف عن وثائق تاريخية هامة تؤكد الدور السعودي في دعم الثورة الفلسطينية الكبرى.
وقد نشرت هذه الوثائق في «عكاظ» يوم الخميس 15/7/1421 الموافق 13/11/2000م. وتحمل تلك الوثائق توجيهات صريحة من الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- لبعض المسؤولين باعتمادات مالية وأسلحة لأبناء فلسطين.
وأول هذه الوثائق موجهة من الملك عبدالعزيز إلى ابن سليمان، وهو كان آنذاك بمثابة وزير مالية، يقول فيها: «أخبرنا رشيد أن الألف استرليني الذي لمنكوبي فلسطين لم تصل إلى الآن للبنك، فإن كان ما بعد روحتوها فحولوا له حالاً وأخبر رشيد أنها تبقى في البنك حتى يجيه منا أمر آخر».
ورشيد هذا هو رشيد ابن ليلى وكان وكيلاً للملك عبدالعزيز في سوريا. أما الوثيقة الثانية، فهي موجهة كذلك من الملك عبدالعزيز إلى ابن سليمان، وقد جاء فيها: «خالد امضي- بمعنى وقع- الاتفاقية الخاصة بالسلاح الذي كان أهل فلسطين اشتروه من ألمانيا ومقداره ألف بندقية وخمسين رشاشة مقابل تعهدنا بأن ندفع قيمتها عبارة عن تسعة آلاف وخمسمائة جنيه استرليني منها سبعة آلاف كان سلمها أهل فلسطين للشركة ونحن الآن سندفعها لهم والباقي وهو ألفان وخمسمائة ستدفعوها للشركة البايعة. حددوا أوراق الشحن واستعدوا بالمبلغ المذكور حتى إذا جاءنا علم شحنها كان المبلغ حاضرا وارسلتموه إلى الجهتين».
أما الوثيقة الثالثة فهي موجهة إلى ابنه فيصل نائب جلالة الملك في الحجاز بصورة لابن سليمان يقول الملك عبدالعزيز فيها: «لابد اطلعتم على برقية حافظ- أي حافظ وهبه- بشأن طلبه مساعدة للمكتب الفلسطيني في لندن، والحقيقة أن الأزمة معروفة ولكن هذه مسألة ضرورية فتراجعوا -أي تشاوروا وتراءوا- مع عبدالله السليمان، وحولوا لهم مائة جنيه ذهب بواسطة حافظ».