أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
«دوجارد» هكذا يحدث حين تصدع بالحق
الدكتور (جون دوجارد) عميد وأستاذ الحقوق في جامعة (وتوتر ستراند) في جنوب أفريقيا، درّس في عدد من الجامعات الأمريكية والأوروبية وهو متخصص في القانون الدولي العام، وعمل فترة كقاضٍ في محكمة العدل الدولية وهو الآن (ومنذ عام 2000م) يعمل مقرراً للجنة الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان ومسؤول عن الملف الفلسطيني.
الدكتور (دوجارد) أصدر هذا العام تقرير لجنته الرسمي الذين سيعرض على الأمم المتحدة، ويصف التقرير بشكل دقيق معاملة الحكومة الإسرائيلية لمواطنيها العرب من الفلسطينيين، وللفلسطينيين الذي يقعون تحت الاحتلال.
ويرى بان هذه المعاملة تشبه إلى حد كبير معاملة حكومة جنوب أفريقيا البيضاء لمواطنيها من السود (أو مايسمى بالأبرثايد، أو التمييز العنصري). ويذهب التقرير إلى أن تعامل الحكومة الإسرائيلية مع مواطنيها العرب هو تعامل عنصري، ويرى أن ذلك ينطبق على الأقل في ثلاث نواحٍ قانونية:
1- تطبيق قانون (تال) بحق الفلسطينيين الإسرائيليين من الحضر والبدو، ومنعهم من الالتحاق بالخدمة العسكرية لعدم الثقة في ولائهم للدولـة الصهيونية.
2- منع المواطنين العرب الإسرائيليين قانونياً من شراء الأراضي الحكومية، أو الأراضي التي يملكها الصندوق اليهودي في إسرائيل حيث تمتلك الحكومة الإسرائيلية 79.5% من الأراضي البيضاء داخل ما يسمي بالخط الأخضر، ويملك الصندوق اليهودي 14% من هذه الأراضي، علماً بأنه يسمح للمواطنين اليهود الآخرين بتملك هذه الأراضي وشرائها من الحكومة الإسرائيلية.
3- منع المواطنين العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية (مواطني 1948م) من الزواج من النساء الفلسطينيات اللاتي يعشن في الأراضي المحتلة سواء في الضفة الغربية أوفى غزة، أما المواطنون العرب الذين سبق وأن تزوجوا من قبل، فإن أبناءهم لا يمنحون الجنسية الإسرائيلية وعليهم أن «يهاجروا» إلى إسرائيل حين بلوغهم سن الثانية عشرة. ويذهب هذا التقرير إلى أن تقطيع الضفة الغربية إلى كانتونات صغيرة هو عمل عنصري بغيض، يشبه بالضبط ما كانت تقوم به حكومة البيض في جنوب أفريقيا قبل عشرين عاماً، وباعتراف الساسة الإسرائيليين أنفسهم.
والأكثر من ذلك أن الدكتور (دوجارد) انتقد مؤخراً الأمين العام للأمم المتحدة والمجتمع الدولي لانحيازهم الكامل مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، ولسكوتهم عن الجرائم التي ترتكب يومياً بحق الشعب الفلسطيني، كما نصح الأمين العام بضرورة انسحاب الأمم المتحدة مما يسمى باللجنة الرباعية، لأنه لم ينتج عنها كثير من أي عمل جاد بحق إنهاء محنة هؤلاء الناس. كما أن عمل اللجنة الرباعية قد أخّر من كفاح الفلسطينيين للحصول على حق تقرير المصير الذي يطالبون به. ويذهب الدكتور (دوجارد) في مقابلة له مع محطة الإذاعة البريطانية مؤخراً، بأنه يحق للفلسطينيين مقاومة الاحتلال مثلما فعلت المقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية، وأن فشل مؤتمر السلام الذي سينعقد في نهاية شهر نوفمبر القادم، ربما يقود إلى انتفاضة فلسطينية جديدة.
ولأي مواطن عربي يعيش مآسي المنطقة، ويشاهد فظائعها كل يوم، فليس في هذه التصريحات أو التقرير أي جديد، ولكن الجديد في هذا التقرير أنه يصدر من داخل مؤسسات الأمم المتحدة نفسها، وينتقد مواقفها ومواقف أمينها العام بشكل مباشر، كما أن قراءة متأنية للتقرير تشير إلى أنه يعتمد بشكل كبير على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير حربه. مما حدا بالجماعات الصهيونية إلى شن حملة رأي عام لتشويه صورة البروفيسور دوجارد ومحاولة إقصائه عن منصبه الهام، بدعوى معاداته للسامية. وهو لهذا يتحمل الكثير من السخط من قبل إسرائيل وحلفائها في الأوساط الإعلامية والسياسية. ومن هنا فنحن نسدي تحية تقدير لهذا القانوني البارز الذي صدع بالحق، ووقف ضد رؤسائه في الأمانة العامة للأمم المتحدة.