د. رشيد بن حويل البيضاني
الإمام البخاري وفتاوى الفضائيات
يُروى انه لما قدم الإمام البخاري بغداد، وسمع به أصحاب الحديث، اجتمعوا إليه وعمدوا إلى أحاديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن لآخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وهكذا القى كل رجل من العشرة عشرة أسئلة على البخاري، والبخاري -رحمه الله-يجيب: لا أعرف. وانقسم الحاضرون، فقال الفقهاء منهم: رجلٌ فَهْمٌ بينما قال الباقون عن البخاري إنه عاجز وقاصر وغير فاهم.
ولما فرغ العشرة من أسئلتهم، التفت إليهم البخاري إلى كل واحد منهم فصحح له حديثه متناً وإسناداً، وعندها أقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
وبعملية حسابية بسيطة يتضح لنا أن البخاري اعترف بعدم معرفته لإجابة مئة سؤال في مجلس واحد، عشرة أسئلة لكل واحد من عشرة سائلين.
ولنا أن نتخيل أنفسنا محل البخاري رحمه الله، لاشك أننا كنا سنعمل الف حساب للحاضرين والمستمعين، الذين لاشك أنهم سيحكمون على البخاري بالجهل لعدم الرد على مئة سؤال.
تخيلت - وأنا أقرأ هذه الحادثة في سيرة البخاري- أن دعيّاً من هؤلاء الذين يظهرون على شاشات الفضائيات صباحاً ومساءً، ممن تلتقطهم هذه المحطات من الحارات والزوايا، وتجعل منهم علماءً يفتون الناس في كل شيء وعلى الهواء مباشرة، وكأن كلاً منهم قد وسع علمه أمور الدنيا والآخرة.
لم يحدث حتى الآن أن رأيت واحداً من هؤلاء المصطنعين، يرد على سؤال بعبارة: لا أعرف، لأنه يعتقد أنه لو قال ذلك فسيفقد مصداقيته بين العامة، وستفقد المحطة الفضائية كثيراً من روادها، وبالتالي سيتأثر ربحها، وتقل عوائده من الإعلانات، وهذا كله بالطبع سيؤدي إلى الاستغناء عن هذا المفتي الذي سيفقد الدجاجة التي تبيض له كل حلقة بيضة من ذهب. أيقول لا أعرف ويفقد الآلاف التي يتقاضاها، أم يفتري على الله كذباً ويضلل الناس بغير علم ولا هدى؟!
اختار الكثيرون من هؤلاء الأدعياء الطريق الثاني، وهو الطريق المؤدي إلى جهنم وبئس المصير.
فأي جرم وأي ذنب أعظم من الافتراء على الله تعالى وعلى رسوله.