عبدالرحمن بن عبدالعزيز العثمان
جامعة الملك عبدالله: الحلم الذي أصبح واقعاً
المتتبع للمسيرة السعودية منذ فجر انطلاقتها سيجد أن ولاة الأمر أولوا التعليم أهمية خاصة حتى استحقت الدولة السعودية التي أرسى دعائمها القائد المؤسس الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- وصف دولة العلم والإيمان عندما جعلت نشر التعليم وتعميمه وتنويعه وتطويره غاية ووسيلة، أمانة ورسالة، خطة وهدفاً، وذلك من خلال الدور التنموي القيادي الذي اضطلعت به المؤسسات التعليمية في بلادنا عهداً بعد عهد وحتى هذا العهد الزاهر الذي أعلن فيه أخيراً عن إنشاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.
وعلى الرغم مما تحقق من انجازات ضخمة في مجال التعليم العالي خلال مراحل المسيرة السعودية، والذي تعتبر الزيادة المطردة في عدد الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية والأهلية أحد مؤشراته، إلا أن تلك الانجازات ركزت بالدرجة الأولى على سد احتياجات الوطن من الكوادر البشرية المؤهلة في شتى التخصصات العلمية التي تصب في نهاية المطاف في خدمة المجتمع في شتى قطاعات التنمية الشاملة.
وربما لاحظ البعض أن الاهتمام بتطوير التعليم العالي بحثياً وتقنياً احتل أهمية استثنائية عند خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ كان ولياً للعهد حيث ظل توطين التقنية يشكل هاجساً رئيساً في فكره وخاطره، ولذا لم يكن من المستغرب أن يحتل هذا الموضوع أولوية في جولاته الخارجية في السنتين الأولى والثانية من توليه مهام المسؤولية في هذا الوطن الغالي، وأن تكون المحطات الرئيسة في تلك الجولات لدول حققت تقدماً ملحوظاً في مجالات البحث العلمي وميادين التقنية والصناعة والاقتصاد المعرفي وأن تتضمن تلك الجولات توقيع العديد من الاتفاقيات التي تخدم هذا التوجه.
الحلم السعودي في التطلع نحو تحقيق قفزة نوعية في مجال البحث العلمي لم يأت من فراغ، وإنما استجابة لطموحات القيادة وتطلعات المواطن ومتطلبات العصر لاسيما في ظل الحقيقة بأن مقدار ما ينفق من أموال على البحث العلمي هو المقياس الحقيقي للتقدم في أي دولة في العالم، وعلى سبيل المثال تنفق الولايات المتحدة 140 مليار دولار سنوياً في مجال البحث والتطوير، وتنفق اليابان 260 ملياراً، فيما تنفق كل من بريطانيا وفرنسا 80 ملياراً، وكوريا الجنوبية 10 مليارات، وتبلغ نسبة العاملين في مجال البحث العلمي إلى عدد السكان 2.9% في الولايات المتحدة، و2% في اليابان، ومثلها في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، واليابان وكوريا الجنوبية أيضاً.
ولاشك أن تخصيص مبلغ عشرة مليارات دولار لإقامة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بمراكزها البحثية العلمية الأربعة، واعتماد القبول فيها على الكفاءة والمقدرة والموهبة دون أي محاباة، وفتح أبوابها أمام العلماء المتميزين من شأنه أن يطبعها بطابع الاستقلالية وأن يحقق الأهداف المرجوة منها بإذن الله تجسيداً لرؤية خادم الحرمين الشريفين وتحقيقاً لحلمه القديم في إيجاد صرح علمي متميز على أرض المملكة يكون قادراً على مواجهة تحديات المستقبل والإسهام في فتح آفاق جديدة في مجالات البحث العلمي والتكنولوجي، وتوفير عوامل نجاح التنمية المستدامة في الوطن.