الحكم
هيئة الخبراء تطرح السياسات البديلة وتقدم وصفة عاجلة للسيطرة على التضخم وجشع بعض التجار:
واجهوا الزيادة باستراتيجية مدروسة تعتمد على تشجيع المنافسة وكسر الاحتكار
بعد قراءة لائحة الاتهام وادعاءات المواطنين حول ارتفاع الاسعار طالب عدد من الاقتصاديين بضرورة عقد لقاء وزاري عاجل ومصغر يضم وزراء القطاعات الاقتصادية ذات العلاقة ويحددون من خلاله أسباب ارتفاع الأسعار، ثم يدرسون ويقيمون البدائل المختلفة حتى يختاروا اكثرها فائدة وأقلها ضررا للاقتصاد ومن ثم تحديد مسئولية كل وزارة في تنفيذ السياسة الاقتصادية المتفق عليها.
الدكتور مقبل صالح الذكير، استاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبدالعزيز يشير الى حقيقة لا يمكن تجاهلها او انكارها او حتى التقليل من شأنها حسب قوله هي أن الاسعار ارتفعت ارتفاعا مؤثرا طال مستوى معيشة اغلب الناس وقد توسعت دائرة التضخم لتنتقل من قطاع الى اخر حتى وصل لكثير من السلع الأساسية ليزداد القلق الذي بدأ منذ انهيار سوق الأسهم قبل نحو سنة ونصف مرورا بارتفاع أسعار مواد البناء والايجارات السكنية والدواء، ليتعداه مؤخرا ويشمل عددا من السلع التموينية والاستهلاكية، كان اخرها ارتفاع اسعار الارز بنسبة كبيرة بلغت نحو 35%.
التضخم الحلزوني
ويضيف الدكتور مقبل.. ما الذي فعلناه لمواجهة هذا الارتفاع ان الناس لا تنتظر من المسؤولين ان يخرجوا فقط ليبرروا أسباب الزيادة سواء كانت بسبب زيادة السيولة في الاقتصاد المتولدة من ارتفاع الانفاق الحكومي، او بسبب ارتفاع التكاليف لدى المصدرين، او بسبب سعر صرف الريال او غيرها من الأسباب. وانما يتوقعون ان يطمئنهم المسؤولون ويصرحوا عن الاجراءات والسياسات الاقتصادية التي ينوون اتخاذها لكبح جماح ارتفاع الاسعار، وامتصاص قدر من هذه التكاليف المتزايدة التي اضحت تثقل حياتهم وتمس صميم معاشهم. فمن مساوئ عدم كبح جماح التضخم انه حلزوني، متى ما بدأ انفلت على كل الجبهات، ولذلك نبهنا منذ بداية ظاهرته بضرورة عدم الاستهانة بآثاره السلبية التي ستتسع مع مرور الوقت لتشمل كل القطاعات.
كيف نواجه التضخم
ويرى د. الذكير ان ارتفاع الاسعار يتطلب عقد لقاء وزاري عاجل ومصغر يضم مسؤولين في القطاعات الاقتصادية، يحددون من خلاله أسباب ارتفاع الاسعار، ثم ينظرون في الطرق الممكنة لمجابهة هذا المارد، ثم يدرسون ويقيمون البدائل المختلفة، حتى يختاروا أكثرها فائدة وأقلها ضررا للاقتصاد والعباد، ثم يحددون مسؤولية كل وزارة في تنفيذ السياسة الاقتصادية المتفق عليها. ومن هذه السياسات الاقتصادية الممكنة ما يلي:
-النظر في ضبط نمو الانفاق الحكومي الاستهلاكي والتركيز على الانفاق الاستثماري.
-تخفيض رسوم الخدمات المؤثرة على قدرة الطبقتين الفقيرة والمتوسطة في المجتمع.
-ضبط السياسة النقدية عن طريق فرض مزيد من القيود على التوسع النقدي، من اجل تقييد الانفاق الاستهلاكي الذي سيعمل بدوره على كبح جماح الطلب الكلي والتضخم.
-من بين السياسات الممكنة التفكير في استغلال جزء من عوائد النفط العالية في تقديم اعانات مدروسة، بحيث تخدم فئات المجتمع الاكثر تضررا، وقد يستلزم الحال منح قسائم اعانات لذوي الدخل المحدود تستخدم لاغراض محددة سلفا كشراء سلعة أولية معينة مثل الأرز او الحليب او شراء خدمة اساسية معينة او حتى تحمل جزء من تكاليفها كالخدمات الطبية.
-العمل على سرعة تبني الاجراءات والتنظيمات والسياسات التي من شأنها زيادة عرض السلع والخدمات وفك الاختناقات في بعض الانشطة الاقتصادية كقطاع المقاولات وقطاع الاسكان وقطاع النقل الجوي الداخلي وقطاع الخدمات المصرفية ونحوها. ان تشجيع المنافسة وكسر الاحتكارات من اقوى سبل ضمان تحقق الاسعار العادلة. فهناك من يعتقد من بعض المراقبين ان هناك اسبابا داخلية لارتفاع الاسعار منها وجود تكتلات يقوم بها بعض تجار المواد الغذائية الذين يحتكرون بيع سلعا معينة ويقومون برفع اسعارها. وهم يدللون الى ان تخفيض اسعار البنزين في فترة سابقة لم يعمل على تخفيض اسعار المواد الغذائية، مما يثير لديهم شكوكا في ان التجار الموردين للسلع الغذائية استفادوا من هذه التخفيضات لكن اسعارهم لم تواكب انخفاض تكاليف المحروقات ونقل السلع. بقي على وزارة التجارة ان تتأكد من هذه الدعاوى وتقارن الاوضاع لدينا بالاسواق العالمية والاسواق المجاورة.
ومن المفيد والمناسب الان السماح بانشاء جمعية اهلية للمستهلكين، بحيث تكون مختلفة في اهدافها عن جمعية حماية المستهلكين الحكومية. جمعية اهلية تعمل على مراجعة الاسعار وتقصي أسباب زيادتها. ونشر الوعي الاستهلاكي بين الناس ومساعدتهم على تغيير بعض العادات الاستهلاكية خاصة ما تعلق منها بأنواع السلع وبدائلها وعدد مرات تناولها او كمية الاستهلاك منها. وكذلك الدفاع عن حقوقهم وتوجيههم نحو السلع البديلة. فمن شأن هذا أن يولد ضغوطا سوقية على السلع التي ارتفعت اسعارها ليعيد التوازن بين العرض والطلب. الناس مقبلة على مصاريف صعبة في مناسبات متتالية: العودة للمدارس ودخول شهر رمضان ثم عيد الفطر. كان الله في عوننا الأمر يتطلب تبني سياسات اقتصادية ملائمة تتصدى لمشكلة ارتفاع الأسعار.
أسباب خارجية وداخلية
وفي ذات السياق أكد عصام خليفة، عضو جمعية الاقتصاد السعودي ان اسعار السلع الضرورية والكمالية بمختلف انواعها في اسواق المملكة تشهد ارتفاعا غير مسبوق في اسعارها حيث قفزت أسعار بعض السلع خلال الاعوام الاخيرة بنسبة تفوق 100% وبالطبع فان أسعار بعض السلع تجر وراءها اسعار سلع اخرى بديلة كانت او مكملة. وقد اظهر الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في المملكة وهو أم مؤشرات المستوى العام للاسعار ارتفاعا خلال الشهور الماضية من العام الحالي نسبته 3.8% عما كان عليه في عامي 2005 و 2006م، وهي أعلى نسبة منذ 11 سنة، ولا شك ان حدوث مثل هذه الارتفاعات المتدرجة في الاسعار يتحمل تكاليفها المستهلكين بكافة فئاتهم. وهناك عدة أسباب خارجية وداخلية أدت الى ارتفاع الاسعار، من الاسباب الخارجية ارتفاع اسعار البترول الذي أدى الى ارتفاع تكلفة السلع المصنعة في الدول الصناعية المستهلكة للبترول وبالتالي زادت هذه الدول اسعار هذه السلع لتغطية تكلفة الانتاج، وحيث ان هذه السلع ستصدر الى الدول المنتجة للبرول مثل المملكة بأسعار أعلى مما كانت عليه وهذا ملاحظ بارتفاع اسعار معظم السلع المستوردة من الدول الصناعية سواء كانت سلعا ضرورية او كمالية، كما انه من المعروف ارتباط سعر صرف الريال بالدولار الامريكي، ونتيجة لارتفاع سعر صرف اليورو والجنيه الاسترليني وانخفاض سعر صرف الدولار الامريكي ادى الى ارتفاع اسعار السلع المستوردة من اوروبا.
ومن الأسباب الداخلية والحديث لا يزال لخليفة غياب الدور الملموس من وزارة التجارة لحماية المستهلك وذلك لضعف امكانياتها المادية والبشرية، ولا يخفى على أحد استغلال بعض التجار المحتكرين لبعض السلع لهذه الظاهرة بدليل ان اسعار معظم السلع اذا ارتفعت فانها لا تنخفض مرة اخرى حتى ولو انخفضت اسعار النفط في الوقت الذي يفترض فيه خفض الاسعار من قبل التجار، ولكنهم يتحايلون بوضع مبررات غير مقنعة في كثير من الأوقات وفي المقابل فان الدخل الفردي ثابت، وهذا بدوره أدى الى انخفاض القوة الشرائية للريال بما يقارب 30% وفقا لاحصائيات وزارة التجارة والصناعة ومؤشرات المستوى المعيشي، اي بمعنى اخر انخفاض الدخل الحقيقي للفرد نتيجة زيادة التجارة والصناعة ومؤشرات المستوى المعيشي، أي بمعنى اخر انخفاض الدخل الحقيقي للفرد نتيجة زيادة المستوى العام لاسعار السلع المصنعة، وهذا سيؤدي الى خلق عدة مشاكل اقتصادية واجتماعية على المدى البعيد منها على سبيل المثال حدوث خلل في توزيع الدخل بين افراد المجتمع نتيجة استفادة بعض الافراد كالتجار مثلا من ارتفاع الاسعار وتضرر المستهلكين، أي أن الغني سيزداد غنى والفقير سيزداد فقرا.
وحيث ان الأمل ضعيف جدا في حل هذه المشكلة من قبل مسئولي وزارة التجارة الذي انحصر دورهم في تقليل مشكلة التضخم ولم نسمع أي دور ملموس من الجهات المعنية الاخرى لحل هذه المشكلة.
غياب الدور الرقابي
من هنا يأتي السؤال الذي يهم كل مواطن ما الحل العملي لمواجهة ارتفاع الاسعار؟
من المعروف ان الصحافة المحلية تلعب دورا مهما في ارشاد الناس وتوعيتهم، وهي تخوض بمفردها تقريبا صراعا من اجل مواجهة ارتفاع الاسعار، ولكن دور الصحافة التوعوي في هذا الاتجاه لم يزل محدودا ولم يثمر لاعتبارات عدة من أهمها غياب الدور الملموس للجهات الرقابية بوزارة التجارة وعدم تفاعل المستهلكين معها بشكل كاف لمحاربة الأسعار.
ويستطرد عصام خليفة.. أتمنى من الصحف القيام بحملات توعية تستمر لعدة اشهر لمحاربة الارتفاع وجشع بعض التجار بحيث يتفاعل المستهلكون بجميع فئاتهم مع هذه الحملة.
وتهدف الحملة لإيقاف الارتفاع المستمر للأسعار وذلك بشراء السلع البديلة الجيدة، فمثلاً بدلاً من شراء الحليب المجفف القادم من اوروبا ذي الأسعار المرتفعة يمكن شراء الحليب الوطني السائل الجيد بأسعار أقل علماً بأن المستهلكين في اوروبا يستخدمون الحليب السائل ولا يعرفون الحليب المجفف. وكذلك بدلاً من شراء الرز بسعر 48 ريالاً للكيس أبو عشرة كيلو يمكن شراء الرز الجيد من شركة أخرى بسعر 34 ريال، ويمكن تطبيق ذلك على كثير من السلع الكمالية والضرورية.
فوائد الحملة التوعوية
ويواصل قائلاً: وفي نظري للحملة الوطنية ضد ارتفاع الأسعار عدة فوائد من أهمها:
- توفير ما يزيد عن 30% من المصروفات الشرائية والتي يمكن الاستفادة منها في احتياجات الحياة الأخرى.
- سيتفاعل كثير من التجار مع الحملة وسيخفضون من هامش الربح وسينقصون من الأسعار على أساس وطني.
- تغيير عاداتنا التقليدية في الشراء والسيطرة على السوق بشراء السلع البديلة الجيدة وعدم الخضوع لبعض التجار المحتكرين، والجشعين في التحكم في مشترواتنا اليومية.
ومن المؤكد أن تكتل قوى المستهلكين الى جانب الصحافة ستشكل تحالفاً قوياً قادراً على مواجهة تحالف الاحتكارات التجارية وجشع بعض التجار الذين يتواطئون ضد المستهلكين ويجبروهم على شراء سلعهم بالأسعار التي يحددوها.
استراتيجية وقائية
من جانبها أشارت الدكتورة أميرة علي اليماني، عضو جمعية الاقتصاد السعودي، إلى ان هناك الكثير من الحلول التي يمكن التوصل اليها لعلاج هذه الظاهرة أهمها:
- وضع استراتيجية وقائية بيعدة المدى تتكيف حلولها مع كل هذه المؤثرات وتساهم في كبح جماح التضخم.
- تكثيف الجهود وزيادة العمل على مراقبة الأسواق يومياً لرصد جميع الأسعار المتداولة على السلع ونسبة التغيرات التي قد تحدث فيها.
- زيادة المعروض من السلع الأساسية بالأسواق.
- عقد ندوة في الغرفة التجارية تجمع مسؤولين من وزارة التجارة والتجار الجملة والقطاعي والمستهلكين لتشخيص المشكلة ووضع الحلول المناسبة لها.
- زيادة نشر ثقافة الوعي الاستهلاكي عند الأسرة السعودية بمختلف الوسائل وتشجيعهم على اختيار السلع البديلة ذات الجودة الجيدة.
- مواجهة جشع التجار بإجراءات فعلية وقوية وبطرق مباشرة وغير مباشرة، لأن حرية الأسواق لا تعني أن تتحول هذه الأسواق الى فوضى يمارس من خلالها التجار ما يريدون، بل تعني حماية الناس من جشع التجار، ووجوب كسر الاحتكار لبعض السلع الغذائية المهمة لحياة المستهلك.