تكلمت عن الكاريكاتير في مقالة الاثنين الماضي، واكمل بأن الرسوم الكاريكاتورية في الصحافة السعودية لا تحترم امريكا غالباً، ولا تعرض للقيادات الحكومية العربية في صورة بهلوانية ساخرة، وانه لا يوجد لدينا رمز يختصر المؤسسات الرسمية او المجتمع، كما هو الحال في شخصيات جون بول وبريتانيا البريطانية وانكل سام الامريكية، واتصور ان الموضوع صعب جداً، خصوصاً مع وجود حالة «وسوسة» تحاكم الشخص قبل الفكرة، وتغرق في التفاصيل وتفسير ما لم يكتب.
الكاريكاتير في اربعينات القرن العشرين، وتحديداً في بريطانيا، تمسك بموقف مشابه من امريكا، واستعان بالامثال الشعبية والاقوال المأثورة، لاقناع القارئ الانجليزي بأفكاره، مستفيداً من ايقاف التلفزيون فترة الحرب العالمية الثانية، وهو عاد في سنة 1946، الا ان جمهوره كان محدوداً ولم يتجاوز 12 الف مشاهد، وحسب مسح جماهيري اجري سنة 1942، عن المصادر الرئيسية للاخبار في بريطانيا، اختار المشاركون الصحافة المطبوعة اولاً، ثم الاذاعة فالتجربة الشخصية و السينما اخيراً، وتوزع الجهد الكاريكاتيري البريطاني بين الرسم للصحافة والاعلانات وحملات الدعاية السياسية، وفي

اهم ما يميز الرسم الجيد قدرته على اختزال الاشياء الكبيرة، في كبسولة صغيرة ومركزة

الاربعينات برزت اسماء حققت حضوراً اسطورياً وشعبية عالية، وساهمت في رفع مبيعات الجرائد التي ترسم لها، وفي تجاوب المسؤولين السريع معها، امثال: لاو، زيك، غابريل، ستروب وايلينيغورث، واعمالهم قابلة للمقارنة مع كاريكاتيرات الخنيفر والهليل محلياً، وقدرتها السحرية في استمالة القارئ، و كذلك الرسوم البريطانية الحالية، ووجهات نظرها في مشاكل الشرق الاوسط والعلاقة المتوترة بين بريطانيا وامريكا، والفارق ان الكاريكاتير القديم كان اكثر تهذيباً وديبلوماسية، لأن السلطات الانجليزية، ادركت قدرة الكاريكاتير المرعبة في الاقناع، واخضعته للرقابة، في محاولة منها لتحييد احتمالات الفوضى والارباك الاجتماعي، على سبيل المثال، جريدة (ذي ديلي ميرور)، كانت على وشك الايقاف، من قبل وزارة الداخلية البريطانية، بسبب سوء تفسير رسمة لـ«زيك» عن ارتفاع اسعار البنزين، واوقفت جريدة «ذي ديلي وركر» صاحبة الخط الشيوعي، لفترة بدءاً من اواخر يناير 1941، لانها تبنت اجمالاً مواقف منحازة وجارحة للرأسمالية الأمريكية.
المهم ان رسامي الكاريكاتير في بريطانيا وقتها، احتفظوا بسلطة مؤثرة في صناعة وتوجيه الرأي العام الانجليزي، ووظف الكاريكاتير في اعلانات السجائر والملابس، وفي الدعاية للاستثمار في السندات الحكومية، وفي الترشيد، ورسم «زيك» في ذي ديلي ميرور يوم 26 اغسطس 1942، كاريكاتيراً يناقش الاقتصاد في استهلاك الكهرباء، ظهرت فيه «ليدي ليبرتي» او تمثال الحرية، وشعلة الحرية الممسكة بها، موصولة الى «فيش كهرب» يشترك معها فيه رجل وامرأة لانارة «لمبة» اكسسوار، وتمثال السيدة غاضب، ويشير بيده الى السلك، وكتب في التعليق اسفل الكاريكاتير: التيار لا يكفينا معاً...!
اهم ما يميز الرسم الجيد قدرته على اختزال الاشياء الكبيرة، في كبسولة صغيرة ومركزة، من ذلك، ما نشره ديفيد لاو، في جريدة ايفنينغ ستاندارد، يوم 20 فبراير 1945، وصور فيه رجل، وهو يمسك بمنظار او «دربيل» لطفله، بينما الثاني ينظر من خلاله الى القصر الابيض، ومكتوب على فانيلة الطفل: الجيل القادم، وعنوان الكاريكاتير «نظرة الى واشنطن»، ومن التاريخ يتضح انه منشور في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد استطاع في مشهد واحد، نقل ما يفكر فيه معظم الاوروبيين، ورأيهم في دور امريكا بعد الحرب.
كل عام وانتم بخير وللحديث بقية .
binsaudb@yahoo.com