أ. د. محسن بن علي فارس الحازمي*
التخطيط المبكر للتدخل المبكر.. بدلا عن الحاجة «لإطفاء الحرائق»
من المسلم به أن توفير المادة الضرورية والصالحة للحياة المعيشية للافراد، أمانة تقع على عاتق «ذوي الاختصاص» والعاملين عليها..
ومن المسلم به كذلك، ان خدمات «العاملين عليها» والهادفة لتوفير المادة الملائمة لمتطلبات الحياة تمر بمراحل عدة -بدءاً من العمل على توفير المادة أصلا، مرورا بمراحل عدة- مترابطة ومتداخلة تتضمن المحافظة على ماهية المادة وسلامتها حتى ايصالها الى غايتها النهائية.
وقياسا على ذلك، فإن متطلبات توفير المادة «الحياتية» على اختلاف انواعها تتطلب كذلك اعدادا وتنفيذا -متلازمين ومتكاملين ومتواصلين من الألف الى الياء- وكل هذه المراحل تشتمل على طرق التعامل مع المادة بدءاً من الألف - مرحلة «التفكير» في كيفية توفير المادة، وحتى الياء -الخطوة الأخيرة- في ايصالها الى غايتها النهائية، وكل ذلك يستلزم احترازات واجراءات عديدة محورها ان من يتعامل مع المادة يجب ان يكون على إدراك تام لماهية المادة ولطبيعتها والعوامل والمواد الأخرى التي من الممكن ان تؤثر فيها وكيفية التعامل معها والحفاظ على طبيعتها وسلامتها من هذه المؤثرات حتى إيصالها الى غايتها النهائية والاستفادة منها.
وما تناقلته وسائل الأنباء والإعلام المختلفة وما تحدث به، وعنه مسؤولون ومستفيدون ومستهلكون لمواد مختلفة وخدمات صحية وبيئية، وما نشأ من اضرار وتداعيات اقتصادية وصحية واجتماعية للمجتمع.. على أهمية تداعياتها ونتائجها، كانت في الواقع مؤلفة في مجملها وتفاصيلها لمختلف شرائح المجتمع.
وحيث ان المتطلبات الحياتية الضرورية ومنها -على وجه الخصوص: التغذية- للإنسان والحيوان والنبات- والخدمات الصحية من الأهمية بمكان، فقد استرعت الحوادث الاخيرة التي حدثت ضمن هذا الاطار اهتمام كل افراد المجتمع: الفرد والأسرة والمجتمع العريض، كونها لصيقة بحياة الفرد وصحته، وكون ما حدث من اصابات بالحصبة ومعاناة المصابين بها حتى ان بعض الاصابات أدت الى الوفاة، كان من الممكن درؤها ومكافحتها عن طريق وضع امكانية حدوثها في الحسبان وتتبع تقييم فعالية التحصين وتوفير المتطلبات اللازمة للبرامج الصحية ووضع الاستراتيجيات الملائمة للتدخل المبكر -عند حدوث الحدث- في حينه وبفعالية.. وأن لا يستغرق كل ذلك فترة عام أو نحوه..
فمن المعروف ان هذا البرنامج يمر بمراحل وتعديلات مختلفة:
ففي عام 1979م جرعة واحدة عند سن 9 شهور.
وفي عام 1991م جرعتين عند سن 6 شهور وسن 12 شهر.
وفي عام 2002م جرعة عند سن 12 شهراً، واخرى عند دخول المدرسة والمشكلة هنا أنه قد لا يتم الالتزام بها.. وقد يكون هذا هو الحال.. وبالتالي نشأت المشكلة وبدأت الحملة الحالية لسد ثغراتها.. وقد كان الامر يحتاج الى متابعة وتقييم. وكان من الممكن في ضوء المتابعة والتقييم الفعال استباق امكانية حدوثها وتصحيح مسارها.. وبدء حملة التحصين عند ظهور بوادرها.
وكذلك الحال في ما يتعلق بكوارث «نفوق الإبل» والتي حيرت الكثير من المسؤولين و «المتضررين» لعدة أسابيع، مع أنه كان من الممكن تجنبها عن طريق الفهم السقيم والادراك الملائم للتعامل مع «النخالة» وتخزينها ونقلها وحتى استهلاكها من خلال توفير التوعية بالوسائل السليمة للتعامل معها من قبل «الموفر» والوسيط والمستهلك وتوفير المعلومات ونشرها كما يتم نشر المعلومات وتوفيرها في علبة الدواء التي يتناولها المريض.
ومع أن ما حدث هو نتيجة ظروف معقدة وحالات متداخلة وظروف بيئية متباينة، وقد لا تسير في نفس اتجاه مع ما ذهبت اليه من تصوير لمجريات الامور ومتطلبات الوقاية من حوادثها وكوارثها، إلا أنني على يقين تام بأن استراتيجية متكاملة واجراءات للتعامل مع مختلف الجوانب، واتباع ما يسمى «الحذر الوقائي» سيساهم الى حد كبير في السيطرة على مثل هذه الحوادث «الكارثية» والحد منها.
ولا يساورني شك بأن الجهات ذات العلاقة بجودة وسلامة مادة «النخالة».. والفستق الحلبي.. والعاب الاطفال، ومعاجين الاسنان.. وغيرها قد اتخذت كل ما في وسعها لمنع مثل ما حدث.. إلا أن التخطيط الوقائي والتدخل المبكر وأخذ الحيطة والحذر في الاعتبار ضرورات «استباقية» لمنع الحوادث وضمان الاستعداد للسيطرة عليها والحد من تفاقمها فور حدوثها «اذا غلبت الروم»، وأن لا تمثل هذه الامور مفاجآت تتطور في ضوء العجز عن السيطرة المبكرة الى حرائق تصعب السيطرة عليها، بفعل المفاجآت وعدم الاستعداد المبكر.. وبالتالي حدوث خلل في التعامل مع المشكلة والبعد عن التعامل معها بمعرفة ودراية.. وشفافية.
ان التخطيط على المدى القصير، والمتوسط، والطويل حسب الحاجة هو أوليات بالنسبة للدول المتقدمة.. وهي -مع الأسف- مشكلة للدول النامية، التي لم تستطع ادراك اهميتها والتعامل مع فلسفتها وخاصة تلك الدول التي توظف الموارد لتوفير الخدمات حسب توافر الموارد الاقتصادية.. والمملكة تصنف ضمن الدول المتقدمة من قبل منظمات الدول الأمم المتحدة، ولذلك فإن مطلب التخطيط المبكر والتدخل المبكر يجب ان يكون «منهج حياة» و «تفعيل» ثقافة التخطيط والاعداد والاستعداد واخذ الحيطة والحذر.. واعداد خطط لذلك هي متطلبات اساسية لكل جوانب الحياة وعلى مختلف مسؤوليات المؤسسات والافراد والمجتمع.. كما ان اعتماد التشخيص المبكر للازمات والتدخل المبكر للسيطرة عليها والاعداد لذلك مقدم على الركون الى اسلوب اطفاء حرائقها عند نزول كوارثها «المدمرة» ووقوع اضرارها البالغة بعيدة الأثر.. والله الموفق.
* عضو مجلس الشورى