يعتقد توماس جيفرسون -ساخراً- بأن الصحف أربعة أنواع؛ حقائق، احتمالات، امكانات، وأخيراً أكاذيب.. بعض المسؤولين يُصنف كل ما يُنشر خلاف الرواية الرسمية لمؤسسة خدمية حيال بعض القضايا أو الظواهر في خانة صحافة الأكاذيب! وبعض آخر لا يريد من الصحف سوى نشر تصريحه أو بيانه الصحفي فقط (الرواية الرسمية) وتجاهل أطراف القضية الأخرى، معتقداً أن الصحف أدوات للتسويق السياسي والإعلامي، ترتبط بإدارات العلاقات العامة!، فهو يريد (تغطية) أحادية لتصريحه أو بيانه وليس (معالجة) إعلامية مهنية (للحدث) تعتمد المصداقية والموضوعية لكافة الأطراف (المؤسسة- الجمهور- الموضوع). وهذا التصور يتعارض ودور الصحافة كمحرك وطني للإصلاح والتطوير، تمارس من خلاله الصحف مهامها الرقابية في خدمة الدولة والأمة. فهي جرس إنذار لما يحدث في المجتمع من ظواهر سلبية قد تنخر في نسيجه.
مهمة الصحافة ضبط إيقاع المجتمع والمحافظة على تماسكه، من خلال الرصد

الاعلام رافعة وطنية يحرك التنوير ويساند التطوير والتحديث

والمراقبة المنسجمة مع قواعد العمل المهني. فالصحف الوطنية لن تتحول الى (نشرات علاقات عامة) على حساب الأمانة المهنية والوطنية. فالموضوعية تستدعي وجهتي النظر، لا سيما (الجمهور) اصحاب العلاقة. فبعض المشاريع التي صفق لها الإعلام كثيراً، دون أن يبحث في حقيقتها على الأرض، معتمداً على الرواية الرسمية للجهة الخدمية، اختفت من خارطة المشاريع دون محاسبة، وما كتب وأعلن عن برنامج توزيع مليون حاسب آلي على الطلاب والطالبات في وزارة المعارف (آنذاك) خير مثال على ذلك! من هنا تبرز أهمية النقد والمراقبة الإعلامية، حتى لا تتكرر الأخطاء، ويفقد الجمهور الثقة بما يسمع أو يقرأ. فالمؤسسات بحاجة إلى تطوير محتوى وشكل أخبارها الرسمية بأسلوب يتفق والمعايير المهنية، فردود بعض المؤسسات الحكومية التي تطالب الصحف «بتحري الدقة» أو اتهام الصحفي باللامسؤولية يتضح فيما بعد للقارئ ان الحقيقة كانت في (خبر) الصحيفة وليس في (رواية) المؤسسة، وهنا أصل المشكل. مؤسسات لا يعترف بعضها بالأخطاء، وأخرى تبحث عن نشرات علاقات عامة للدعاية، لا صحف مهنية تجسد تطور الوعي الوطني.
وهذا لا يعني أيضاً عدم وجود أخطاء في بعض الصحف اليومية، التي يصدرها في خمس عشرة ساعة بشر يعملون فيخطئون، يكتبون مئات الآلاف من الكلمات، ويعملون مع مسؤولين يحجبون المعلومات احياناً، ويوصدون الأبواب في وجوه الصحفيين في أحايين أخرى!
ولكن، يبقى الانفتاح الإعلامي الذي يشهده المجتمع حالياً، رافعة وطنية تتشكل عليها محركات التنوير في مواجهة استحقاقات الوطن، ومساندته في رحلة التطوير والتحديث، من خلال مفهوم الإعلام المدقق المتابع النزيه وربط الدولة والمجتمع بنظام إعلامي واتصالي موثوق. يقول روزبنلوم: حين أتى النداء في منتصف الليل كان على الإطفائي ارتداء لباسه بسرعة وإطفاء النار، أما الصحفي فعليه أن يخبر مليون شخص، من أشعل عود الكبريت ولماذا؟
alfirm@gmail.com