بهذه العبارة لخص برنار كوشنير، وزير خارجية فرنسا، وصفه لطبيعة العلاقة بين باريس وواشنطن. جاء ذلك في مقال كتبه في صحيفة الحياة في 2007/8/27م بعد زيارته الأخيرة للعراق. وفي اليوم نفسه خاطب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، في مؤتمر السفراء، المعتمدين لدى دول العالم، السنوي الخامس في قصر الإليزيه، خطاباً شاملاً حول رؤية باريس حول الملفات الساخنة في المنطقة.
خطاب الرئيس ومقال الوزير يوضحان الأفكار الأساسية لتوجهات السياسة الخارجية الفرنسية في العالم، التي ستحكم طبيعة دبلوماسية مسار عهد ساركوزي. وهي الطبعة الأخيرة، لوضع النقاط على الحروف، لاسيما بعد اجتماعات ساركوزي بالرئيس الأمريكي جورج بوش من جهة، وبالقيادات الأوربية من جهة أخرى، وبعد زيارات وزيره كوشنير للمنطقة في الشهرين الأخيرين، لتحديد الصبغة الجديدة للتوجهات الفرنسية في المنطقة.
قد يظن البعض، من خلال متابعة الصحافة العربية، بأن تغييراً كبيراً يجري في ترتيب معالم السياسة الفرنسية في مقابل السياسة الأمريكية في المنطقة، خاصة في ما يتعلق بالملفات العربية والإسلامية الساخنة. وهو ظن، حسب اعتقادي، غير صحيح البتة. وبقليل من التركيز في خطاب الرئيس ومقال الوزير، رغم احتوائهما على صيغ التفخيم، التعميم، التمطيط، المراعاة،

ينبغي عدم الاعتماد وتوقع التدخلات السحرية من الجانب الفرنسي لمعالجة الملفات الساخنة في المنطقة

والمشاكسة اللفظية الظاهرية أحياناً، وهذه ستكون من معالم السياسة الفرنسية القادمة أيضاً، نجدهما قد أكدا أولاً على أهمية وثبات الصداقة مع إسرائيل والالتزام بأمنها، حيث قال الرئيس” لدي سمعة بأنني صديق إسرائيل، وهذا صحيح، ولن أساوم أبداً على أمنها”.
ولم يختلفا، ثانياً، مع السياسة الأمريكية،الآنية، في معالم معالجة القضايا الرئيسية في المنطقة، مثل ملف القضية الفلسطينية، وقد ربطاها “بإقامة دولتين لأمتين” لأن الرئيس الفرنسي يخشى من تنامي المقاومة الفلسطينية، وبالتالي يخاف من خلق “حماسين في غزة كمرحلة أولى لسيطرة الإسلاميين المتشددين على كل الأراضي الفلسطينية، وهذا الاحتمال لا يمكن قبوله وفرنسا لن تقبله”. وفي الملف اللبناني أكدا على أن فرنسا “متمسكة بحرية لبنان وسيادته واستقلاله، كما هو مؤكد عليه في القرارين 1559 و1701 الصادرين عن مجلس الأمن”.
أما في ملف إيران النووي فهو الموقف ذاته الذي تتبناه واشنطن بلمسة من الميك آب الباريسية، ولخصه ساركوزي: حصول إيران على السلاح النووي”أمر لا يمكنني قبوله” مع تشديد العقوبات على طهران إذا أوقفت التخصيب وعادت إلى المفاوضات”وحده هذا الخيار يمكننا من تلافي الوقوع في معادلة كارثية: إما حصول إيران على القنبلة النووية أو تعرضها للقصف”.
ثالثاً: لا يعدو كون تأكيدهما، الرئيس والوزير، على إعطاء دور أكبر للاتحاد الأوربي في العالم، من محاولة إظهار الامتعاض الفرنسي من تردد وبطء الاتحاد في دخول دائرة التنافس مقابل أمريكا تجاه ثروات العالم وعلومه وموارده، ودفعه نحو القيام بدور أوسع في النفوذ العالمي. وهنا ينبغي أن نلتفت بأن لفرنسا مصالح أيضاً، وقال كوشنير بأن في المنطقة”يتحدد مصير جزء من مستقبلنا ومستقبل أولادنا”.
رابعاً: رغم عدم دخول فرنسا في التحالف في العراق حتى اليوم، ورفضها القديم /الجديد للحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق، لا يظهر، في الموقف الفرنسي، اختلاف عن الموقف الأمريكي حول معالجة هذا الملف إلا في حيثية واحدة، وهي دعوة ساركوزي إلى”تحديد أفق واضح يتعلق بانسحاب القوات الأجنبية، مما سيسمح للأسرة الدولية ولفرنسا التحرك بأكبر فاعلية ممكنة”، كي تكون جدولة الخروج لهذه القوات ضمن الأوراق السياسية للمعالجة لا غير.
لذا ينبغي عدم الاعتماد وتوقع التدخلات السحرية من الجانب الفرنسي لمعالجة الملفات الساخنة في المنطقة، والاعتماد الحقيقي يكون على توافق أطراف كل ملف على المعالجات الحقيقية والواقعية، والطلب من القوى الإقليمية والدولية المساهمة في تهيئة الأجواء لتمرير المعالجات وتذليل العقبات. والله أعلم.
kshabib@hotmail.com
ص.ب 2421 الدمام 31451