أفياء
بعد أن انفض السامر
رغم أني لم يسعدني الحظ بحضور نشاطات مهرجان «عكاظ» أو حتى بعضها، إلا أني كنت أتابع ما يُنشر من أخباره وما يكتب حوله من تعليقات، وقد استوقفني من بين ما نُشر خبر وتعليق:
أما الخبر فهو دخول بعض الزائرات للمهرجان إلى مكان الأمسيات الشعرية المخصصة للرجال واحتلالهن بعض المقاعد الخلفية تحت سقف واحد مع الرجال. وقد احتفت الصحف بهذا الخبر احتفاء يوحي وكأنه أمر جلل، فأثارت الناس وأيقظت فيهم الاختلاف حوله، قال عنه بعضهم إنه دليل على (علو كعب النساء) في عالم الثقافة والفكر، ونظر إليه البعض الآخر باشمئزاز ولم يرَ فيه سوى محاولة غير مرضية، لكسر طوق العزلة المضروب ما بين عالم النساء وعالم الرجال.
واحتفاء الصحف بهذا الخبر كحدث مثير، يدفع بالبعض منّا إلى المقارنة بين ما كان يجري في «عكاظ» سابقاً، وما نراه في نسخته المقلدة اليوم، في النسخة الأصلية كان إسهام النساء في «عكاظ» جلياً بارزاً ولم يكن هناك ما يعزلهن عن الرجال أو يجزئ فعاليات السوق إلى فعاليات خاصة بالنساء وأخرى بالرجال، أما في النسخة المقلدة فإننا نلحظ «عكاظ» ،يضطرب ويقلق ويعتريه الارتباك، لمجرد أن بضعة نساء ولجن إلى قاعة مخصصة للرجال واحتللن مقاعد خلفية فيها كي يتابعن شعراً يلقى على الرجال!
هذا بالنسبة للخبر، أما التعليق، فهو ما كتبته الأستاذة ناهد باشطح في صحيفة الرياض يوم السبت الماضي إثر إعلان رئيسة فعاليات اللجان النسائية في المهرجان حجب (جائزة شاعرة عكاظ) لهذا العام لعدم توفر من تستحقها. والأستاذة ناهد في تعليقها تتساءل فيم إن كانت هذه الجائزة تختلف في قيمتها المعنوية والمادية عن جائزة (شاعر عكاظ) التي فاز بها الشاعر محمد الثبيتي؟ ومن الواضح أن تساؤل الأستاذة ناهد يتضمن شيئاً من التهكم على هذا الفصل في الجائزة الشعرية، لكني شخصياً أراه فصلاً يتماشى تماماً مع فكر فصل الفعاليات.
ولب القول، هو أن الأمانة تقتضي أن نكون أكثر صدقاً مع تراثنا فلا نعمد إلى تشويه صورته لنخضعه لأفكارنا المعاصرة، إن كنا نرغب حقاً في إعادة بعث سوق عكاظ، فإن علينا أن لا نجرده من الملامح الجميلة التي كان عليها، لقد كان مكاناً عاماً يلتقي فيه الجميع نساءً ورجالاً من غير فواصل وحدود، حكمه حكم غيره من الأسواق التي لا فصل فيها. وكانت الشاعرات فيه يتنافسن مع الشعراء في صورة ندية فيحكم للأجود فيهم بصرف النظر عن جنسه. كالقصة التي ترويها بعض المصادر القديمة عن النابغة الذبياني الذي يقال إنه كان يجلس في «عكاظ» فيأتي إليه الشعراء ينشدون شعرهم فيفضل منهم من يرى تفضيله، ومن ذلك قوله للخنساء لما أنشدته: «والله لولا أن هذا الأعمى (الشاعر الأعشى) أنشدني قبلك لقدمتك عليه».
كان أسلافنا يدركون أن المنافسة للشعر وليس للعضلات، فمن كان شعره أفضل قُدم، لكن معاصرينا طغى عليهم حب الفصل بين الجنسين حد الرغبة في فصل النتاج الفكري أيضاً، فصاروا يصنفون ما تنتجه العقول والقرائح إلى فعاليات نسائية وأخرى رجالية ويخصصون لكل منها منافسات وجوائز منفصلة، ثم لا يرون بأساً إن هم زعموا أنهم يحيون تراثنا الماضي، وإن كانوا للماضي يظلمون.
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
أضف تعليقك