أفياء
فضيلة الشك
عندما يقع الناس في الأخطاء فإن أول ما يتبادر إلى ذهن من يعدون عليهم أخطاءهم هو أنهم يجهلون الصواب، فيلومونهم على الجهل وعلى عدم الحرص على التحري والتثبت كي لا يقعوا في ما وقعوا فيه من الزلل.
بالنسبة لي لا يبدو الأمر بهذه البساطة، فمسألة التثبت والتحري وعدم الاعتماد على الظن أو الذاكرة لا تحدث تلقائياً وإنما لابد أن يسبقها الشعور بالتشكك في احتمال وجود الخطأ، وهذا الشعور هو وحده ما يدفع بنا إلى التثبت وتتبع الحق، فالمسألة ترتبط بوجود الشك حول احتمال الوقوع في الخطأ سواء في القول أو العمل، لكن ما يحدث غالباً هو أن التشكك حول احتمال غياب الصواب عنا يغيب عن أذهاننا، ومن ثم نقع في الخطأ ولا ندركه، إلى أن يظهر من يفاجئنا بعدّ أخطائنا ويحاسبنا عليها حتى وإن كانت صغيرة أو من قبيل التفكّه والمداعبة، إلا أنه تفكه ومداعبة يقرصان في العظم بعض المرات.
وقبل أيام قليلة انتقد (كاتب قدير) (كاتباً قديراً آخر) لأنه أورد شطر بيت من الشعر مختل الوزن مضطرب المعنى فأفقده ما فيه من حسن وبهاء، وقد لامه على أن (ذائقته الأدبية) لم تحس بما في البيت من خلل. هذا يعني أن الكاتب وهو يكتب لم يعتره الشك إن كان البيت صواباً أو فيه خلل ولو أنه اعتراه لما شق عليه أن يفتح الديوان ويتأكد.
نقطة الضعف فينا هي أننا لا نشك، ربما لأننا لم نألف تقديم الشك أمامنا، إما لفائض الثقة في أنفسنا، وإما انطلاقاً من مبدأ تقديم حسن الظن، لكن حسن الظن لا يصلح دائماً فمعظم الذين يقعون في مصائد الخداع هم أولئك الذين يحسنون الظن. وعلى أية حال فإن الشك لا يعني سوء الظن وإنما هو شعور بالحاجة إلى التثبت فقط لاغير. فعندما يختفي الشك يختفي معه الدافع إلى الاستيثاق، فنقع فريسة سهلة للخداع والخطأ بسبب ذلك التسليم المطلق. وقد أثار ابتسامي أني نفسي كدت أقع في مهزلة وأنا أكتب هذا المقال لولا أن الله لطف بي فألهمني التشكك، فحين قرأت بيت ابن المعتز الذي أورده الكاتب في مقاله وكان نصه: (فكان ما كان مما لست أذكره/ فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر) قلت في نفسي للوهلة الأولى: لقد وقعت أيها (الكاتب القدير) في قبضتي وها أنت تنتقد زميلاً لك على غياب الذائقة الأدبية ثم تقع في مثل ما وقع فيه، فقد ظننت لجهلي بأوزان الشعر، أن البيت جاء ملحوناً غفلة من الكاتب، وذلك عندما كتب (لاتسأل) بدلاً من (لاتسل) حيث تقتضي لا الناهية جزم الفعل المضارع بحذف الألف، لكني شككت في أن أكون مخطئة في ظني، لمعرفتي بمقدرة الكاتب الشعرية واحتمال أن تكون أذنه الموسيقية قبلت اللحن إكراماً للوزن، أليس يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره. فرجعت إلى الديوان فوجدت البيت فيه مكتوباً كما نقله الكاتب، فقلت في نفسي الشكر للشك وإلا لكنت أوقعت نفسي في مهزلة عظمى. ومع ذلك فإن الكاتب القدير لن يفلت كثيراً من قبضتي، فقد وجدته هو أيضاً يدرج في مقاله بيت شعر لشوقي مكسوراً مختل المعنى، رغم تحوطه وحرصه ألا يكون هو أيضاً من (رواة السوء). ولكن مرة أخرى معرفتي بقدرته الشعرية جعلتني استبعد أن تخذله حاسته الشعرية متى خذلت غيره حواسهم، لذا فإني أنسب الخطأ إلى المطبعة ولن أبرئها كما يميل هو إلى ذلك.
أما البيت فهو: (أتراها تناست اسمي لما/ كثرت في غرامها الأسماء)، وقد ورد ذلك البيت في المقال محرف البداية فجاء مطلعه (ما تراها) بدلاً من (أتراها)، وهذا التحريف على ضآلته، أخل بالوزن وأضاع المعنى. وأسأل الله السلامة والعافية من الوقوع في شباك متصيدي الأخطاء.
فاكس 4555382
أضف تعليقك