على خفيف
رواة السوء
أكثر ما يزعج قارئاً مثلي أن «يَطُبّ» كاتب قدير في خطأ لا يقع فيه كاتب ناشئ قبل قيام ذلك الكاتب القدير المتمرس بالإساءة إلى الشعر عن طريق الخطأ في روايته وقد سُئل الشاعر الأموي الأخطل عندما حضرته الوفاة عن الدعوة التي يجب أن يدعو الله بها ويتمنى على الله الاستجابة لها فقال: أدعو الله أن يحمي الشعر من رواة السوء!، وإذا كانت أبيات الشعر المروية بطريقة خاطئة لا علاقة لها بالأخطاء المطبعية التي قد تنسب إليها بعض أخطاء الكتاب وهي منها ومنهم براء!، إذا كانت تلك الأبيات المروية خطأ من الأبيات المشهورة فإن انزعاج القارئ سيكون أكبر وتساؤله عن سبب تورط كاتب قدير في رواية بيت شعر شهير بطريقة غير سليمة، جعلت البيت يبدو مهزوزاً مكسور الوزن مشوش الخاطر وأين كان الحاسة الأدبية للكاتب عندما استشهد وهو على عجلة من أمره ببيت شعر يحفظه حتى عوام الناس والناشئة في المدارس لكثرة ترديده والاستشهاد به وشهرة قائله والقصيدة التي تضم ذلك البيت، وكمثال على ما ذكر فإن أحد الكتاب استشهد ببيت شعر لأمير الشعراء أحمد شوقي جاء ضمن قصيدته الشهيرة: «خدعوها بقولهم حسناء».
فجاء الكاتب ببيت الشعر ملخبطاً وبدل أن يأتي به كما جاء في القصيدة أتى به هكذا:
«جاذبتني ثوب العصى وقالت
إنما الناس أنتم أيها الشعراء»
وصحة البيت هكذا:
«جاذبتني ثوب العَصِيِّ وقالت
أنتم الناس أيها الشعراء»
فانظروا إلى الركاكة وسوء الوزن واضطراب المعنى الذي حصل بسبب رواية سوء لعجز بيت شعر، أفلا يحق للأخطل قبل ذلك أن يدعو الله أن يحمي الشعر من رواة السوء؟
وأختتم مقالي ببعض ما أحفظه من قصيدة أحمد شوقي المشار إليها صدرها راجياً ألا أخطئ في رواية بيت أو أبيات منها فأصبح أنا الآخر راوية من رواة السوء حيث يقول:
«خدعوها بقولهم حسناء / والغواني يغرهن الثناء
ما تراهـــا تناســـت اسمي لمــــا / كثرت في غرامها الأسماء
«إن رأتني تميل عني كان لم / يــــكُ بيني وبينها أشياء»
وآمل من المصحح ملاحظة أن «يَكُ» التي هي في الأصل «يكن»، المجزومة بحرف الجزم «لم» وعلامة جزمها حذف حرف العلة عن «يكون»، ملاحظة أن «يك» بلا نون لضرورة الوزن وقد وردت يكن في القرآن الكريم هكذا «يَكُ» بلا نون، أما الغموض المعنوي في عبارة «كأن لم يكُ بيني وبينها أشياء» فهو غموض رائع مثير للخيال الخصب وليس هو من الغموض الذي بلا معنى.. المثير للضجر!
وأخيراً فإن البيت الوحيد في الشعر العربي الجامع لمعاني الحب والوصال جاء من ضمن أبيات هذه القصيدة. حيث يقول الشاعر:
نظرة فابتسامة فسلام / فكـــلام فموعـــد فلقاء
أما إذا سألتم عما حصل بعد اللقاء فإنني أرد عليكم ببيت شعر قاله شاعر آخر:
وكان ما كان مما لســت أذكره / فظنَّ خيراً ولا تسأل عن الخير!
أضف تعليقك