سوف نواجه في كل صيف ذات المشكلة التي نعرفها منذ عقدين، اي فشل خريجي الثانوية في الحصول على مقعد جامعي. كل عام يدخل عدة الاف من الشباب دورة الالم والخيبة ثم اليأس والقبول بما تيسر. تكرر المشكلة يولد شعورا بالاحباط وعدم الثقة، هو بذاته نذير خطر ومبرر كي يتخذ اصحاب القرار مبادرة جذرية لحل المشكلة. جميع الاقتراحات التي طرحت تنتهي الى نقطة واحدة هي مضاعفة عدد المقاعد الجامعية في مختلف التخصصات. والواضح ان نصف الحل يكمن في اقامة جامعات حكومية جديدة، والنصف الاخر يكمن في دعم وتشجيع القطاع الخاص على اقامة جامعات أهلية.
صحيح أن إنشاء جامعة ليس بسهولة انشاء مدرسة. لكن اقامة المدرسة كان صعبا هو الاخر حتى سنوات قليلة خلت. معظم ما لدينا اليوم من مدارس اهلية جيدة اقيم خلال الخمسة عشر عاما الماضية. قبل ذلك كان الترخيص لمدرسة خاصة عسيرا جدا. وهو مازال كذلك بالنسبة لمدارس البنات. في محافظة القطيف مثلا سعى مستثمرون للحصول على رخصة لانشاء مدرسة بنات لكن جهودهم باءت بالفشل، رغم انهم نجحوا في اقامة مدرسة للاولاد حققت نجاحا باهرا على مستوى المنطقة. مبرر الرفض هو دائما القلق على كفاءة العملية التعليمية. اي بعبارة اخرى عدم الثقة في قدرة القطاع الخاص على احسان العمل.
وأظن

ترقية المعاهد إلى كليات خطوة أولى نحو حل أزمة المقاعد الجامعية

أن تأخر دخول القطاع الخاص الى ميدان التعليم الجامعي هو ثمرة لنمط التفكير ذاته. لدينا اليوم عدد من الكليات اقامها مستثمرون بالاعتماد على انفسهم أو مع دعم حكومي، وحققت نجاحا ملفتا، بل ان بعضها يوفر مستويات من التعليم أرقى مما توفره الجامعات الحكومية. وهذا بذاته دليل حي على ان جودة العمل لا ترتبط باسم المدير او عنوانه الوظيفي بل بالانظمة والمعايير التي تحكم العملية التعليمية، فضلا عن الاشراف الدقيق والمستمر على رعاية تلك المعايير والأنظمة. بعض جامعاتنا يسعى لتوفير مصادر تمويل مستقلة عن الحكومة، وهو اتجاه سبقتها اليه معظم الجامعات المرموقة في العالم، وكان مقدمة للاستقلال في القرار والادارة. الخطوة التالية المنطقية هي تشجيع القطاع الخاص للقيام منفردا او مع دعم رسمي، بدخول ميدان التعليم الجامعي بأوسع درجة ممكنة. في الربع الاخير من القرن الماضي قررت الحكومة توسيع القطاع الزراعي والصناعي، فتحدث الوزراء مع المستثمرين وقدموا وعودا وتمويلا ودعما، وقد نجحت تلك الاستراتيجية في اقامة قطاع صناعي وزراعي نفخر به اليوم، وهو يساهم بحصة ملموسة في الناتج القومي الاجمالي وفي توفير الوظائف. ولو فعلنا الشيء نفسه مع التعليم الجامعي، فسيكون لدينا بعد خمس سنوات مقعد لكل طالب في اي تخصص يرغب وفي اي مدينة، بدل اللهاث السنوي الحالي وراء مقعد قد يتوفر او لا يتوفر، فضلا عما يتبعه من خيبات وسوء ظن.
يمكن لنا ان نبدأ بتشجيع المعاهد الاهلية على التحول الى كليات. لدينا مئات من معاهد التدريب التي تقدم برامج محترمة في مجال المعلوماتية والادارة والرعاية الصحية وفروع الهندسة المختلفة. كل من هذه المعاهد هو مشروع محتمل لكلية متخصصة. وثمة بين اصحاب هذه المعاهد من يتطلع فعلا الى تحويله الى كلية متخصصة. هؤلاء الناس يملكون الخبرة، ويملكون رؤوس الاموال، ولديهم طلابهم الذين يرغبون في مواصلة الدراسة حتى نيل البكالوريوس. يمكن ان نشترط على هؤلاء التحالف مع جامعة معروفة، محلية او اجنبية، كي نضمن الوفاء بمعايير الدراسة الجامعية المحترمة، ثم نضع برنامجا للاشراف المستمر عليهم. ترقية المعاهد الى كليات يمكن ان يشكل خطوة اولى نحو حل سريع. ولكي يتحقق هذا فان وزارة التعليم العالي بحاجة الى تعديل في استراتيجية عملها. تعديل من نوع اقامة وكالة مختصة بتشجيع القطاع الخاص والاشراف على ترقية المعاهد الاهلية، ومساعدتها في الحصول على دعم حكومي والتحالف مع الجامعات المحترمة. في كل محافظة من محافظات البلاد هناك واحد او اكثر من المعاهد الاهلية القادرة على الارتقاء الى كليات جامعية، واظن ان مساعدتها على بلوغ هذه الغاية سوف يأتي بواحد من اعظم التحولات في مسيرة التعليم الجامعي في المملكة.
talsaif@yahoo.com