أعلن يوم الخميس الماضي عن حلف جديد في بغداد بين قادة تيارين قوميين متناقضين وفّّقت بينهما المصالح المشتركة ومكنتهما إرادة الاحتلال المستفيد من تحالفهما ودعمهما لوجوده من التحكم في مقدّرات العراق منذ سقوطه تحت الاحتلال الأمريكي عام 2003م. صحيح أنهما لم يجرؤا في البداية على إقصاء العنصر العربي شكلياً من مواقع القرار من خلال تنصيب شيخ إحدى العشائر العربية في العراق رئيساً لفترة قصيرة من الزمن. ولكن مع مضي الوقت وازدياد وطأة ضربات قوّات الاحتلال وفرق الموت سواء التابعة منها لوزارة داخلية أحد التيارين الحاكمين أو التابعة لبيشمركة التيار الآخر على العرب السنة بالقتل والتهجير والإقصاء رأى زعماء التيارين الحاكمين ألا حاجة حتى لمثل تلك اللفتة الشكلية تجاه العرب السنّة فاستأثروا حتى بذلك المنصب الشرفي ليحكم التيار الإيراني العراق من خلال منصب رئيس الوزراء وكافة المناصب الحكومية الهامة وليحكم أحد القادة الأكراد إقليم شمال العراق كدولة مستقلة غير معلنة إضافة إلى تواجد زعيم كردي آخر في منصب رئيس الدولة العراقية كمراقب وموجّه للأحداث لضمان استكمال المتطلبات التشريعية والتنظيمية اللازمة لإعلان الاستقلال القومي الكردي في شمال العراق.
ولكن رغم مساندة قوّات الاحتلال لكلا التيارين إلا أن زعماءهما أدركوا أن انسحاب وزراء جبهة التوافق السنّية ومن قبلها وزراء التيّار الصدري قد يؤثر على إمكانية التصويت الإيجابي على المادة 140 التي يراد من ورائها سلخ كركوك عن الوطن الأم وقانون النفط الذي يراد من ورائه استئثار التيار الإيراني في

العراق العربي لا يمكن أن يتقبل هوية غير العربية رغم أنوف
من يسعون لتقسيمه

السلطة العراقية والشركات الأمريكية بنفط جنوب العراق من خلال دويلة بدأت بالفعل في اعتماد اللغة الفارسية في التعامل إلى جانب العربية في مقابل الأكراد الذين أقدموا على خطوة أكثر تقدماً تتمثل في الغاء اللغة العربية كلغة ثانية في التعليم في شمال العراق واستبدالها بالإنجليزية والألمانية من منطلق أن الأكراد يرون أنهم يتحدّرون أيضاً من العرق (الآري) مثلهم في ذلك مثل الإيرانيين والألمان والعراقيين من أصول إيرانيّة. وسبب التخوّف من نتيجة التصويت السلبية لا يعني بالضرورة أن التيارين يخشيان من جبهة التوافق أو من التيار الصدري فهم يعلمون أن أعضاء جبهة التوافق لا يمثلون سوى أنفسهم ولا يمثلون العرب السنّة بدليل أن المقاومة مازالت مستمرة رغم وجود أعضاء من جبهة التوافق التي تدّعي تمثيلهم في الوزارة وفي البرلمان، كذلك لا يخشى زعماء التيارين من التيار الصدري لأن القوّات البريطانية والأمريكية دمّرت بالفعل بنيته العسكرية الأساسية ومازالت تقوم بالإجهاز على بقاياه إلى درجة أن زعيمه اضطر للتواري عن الأنظار أو اللجوء إلى إيران خوفاً على حياته خاصة بعد أن أصبح مطالباً بدفع فاتورة الدم ثأراً لضحايا فرق الموت التي تشكلت في معظمها من تيّاره على مدى السنوات الماضية.
إذاً لماذا يعلن التياران التحالف في هذا التوقيت بالذات رغم أنه قائم بالفعل منذ البداية؟ إن الهدف الأساسي هو الاستغناء عن وزراء جبهة التوافق وحماية التحالف الطائفيّ القائم من الانهيار بتعيين عدد من – مرتزقة السنّة - من طلاّب المناصب بأي ثمن ليقال إن العرب السنّة ممثلون في الحكومة والبرلمان وبالتالي لا يمكن الزعم بأنهم مهمّشون عندما يحين التصويت.
ولكن ماذا بعد التصويت على المادة 140 وقانون النفط؟ إذا ما كانت نتيجة التصويت إيجابية للتيارين الحاكمين بدعم الاحتلال يمكن أن ينفرط التحالف المرحلي المؤقت بينهما في أية لحظة لأن الحاجة تنتفي لوجوده بسبب اختلاف الأهداف والأيديولوجيات من ناحية وبسبب تحقيق كل طرف منهما مبتغاه من التحالف من ناحية أخرى. ورغم ما في هذا التحالف المؤقّّت من مكاسب متوقّّعة لأطرافه، والتفاف على متطلبات المصالحة الوطنية مع العرب السنّة، وإصرار عنيد من قوّات الاحتلال والمتحالفين معها على إقصائهم والاستمرار في ضربهم وتدميرهم، إلا أن نظرة أبعد يمكن أن توصلنا إلى أنّ قراراً أمريكيّاً بتكريس التقسيم القومي القائم للعراق قد اتخذ كمقدّمة لانسحاب أمريكي، وأن هذا التحالف لا يعدو كونه مقدّمة لمزيد من الترتيبات المعلنة وغير المعلنة لضمان استمرار انسياب صادرات النفط العراقيّ للخارج من منطقتين مواليتين بعد الانسحاب ولتذهب المناطق الوسطى ذات الكثافة القومية العربية إلى الجحيم فليس لها سوى الضرب والسحق والتهجير والإخضاع بالقوّة أو التركيع للخضوع لشروط الاحتلال والتحالف المحلي المعادي.
ولكن هل سينجح كلّ هذا؟ علينا أن ننتظر لنرى ما تتمخض عنه الأيام القادمة فهي حبلى بأحداث جسام، فلا أظن أن من ينهزم في الميدان يمكن أن يملي إرادته على من هزموه ولا أظن أن العراق العربي يمكن أن يتقبّل أي هوية غير هويته العربية رغم أنوف الشياطين الذين يسعون لتقسيمه.
altawati@yahoo.com