رؤية سياسية
أزمة خارجية يفسرها تمايز سياسي داخلي
د. طلال صالح بنان
بوادر أزمة سياسية ودبلوماسية تلوح في الأفق بين لندن وواشنطن، القضية: مصير القوات البريطانية في جنوب العراق. رئيس الوزراء البريطاني غودون براون وعد بأن يحدد مصير قوات بلاده في العراق البالغ عددها 5500 جندي متمركزين في جنوب العراق، عندما يأتيه تقرير من القادة العسكريين الميدانيين.. وقد أتاه التقرير الذي يفيد بأن القوات البريطانية لا يمكن لها أن تفعل المزيد في جنوب العراق، وأنه من الأفضل انسحابها، بأسرع وقت ممكن. قرار من المتوقع أن يصل إليه رئيس الحكومة البريطانية، عندما ينعقد البرلمان في أكتوبر القادم.. وكان المستر براون قد ربط بين تقرير قواد جيشه الميدانيين في العراق وتقرير مصير تلك القوات، في آخر لقاء جمعه مع الرئيس الأمريكي جورج بوش، الشهر الماضي. لقد كان رد دوائر المخابرات الأمريكية على العزم البريطاني بالانسحاب من العراق، من أنه بمثابة هزيمة مهينة للجيش البريطاني، الذي غزا العراق مع الجيش الأمريكي في مارس 2003...!؟
ولكن، إنصافاً للبريطانيين، الأمريكيون هم أيضاً يفكرون إن لم يخططوا للخروج من العراق، متخلين عن الأهداف الرئيسية التي أعلنوها عند الغزو وبعده، لتبرير غزوهم ووجودهم في العراق. في أفضل الأحوال، الإدارة الأمريكية تفكر في خفض القوات من العراق، بموعد أقصاه تاريخ الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة في نوفمبر 2007، إذا كان هناك من نصيب للحزب الجمهوري في أن يقتطع جزءاً من كعكة تلك الانتخابات، ليبقى في الصورة عند تشكيل الخارطة السياسة في واشنطن، عقب تلك الانتخابات.
اعتبارات السياسة الداخلية، وليست حسابات مؤسسات صناعة القرار الاستراتيجية، هي التي تحدد سلوك الساسة في لندن وواشنطن تجاه أزمة، إن لم نقل ورطة، وجود قوات البلدين في العراق. الساسة في العاصمتين الكبيرتين، يديرون أزمة العراق وأعينهم وقلوبهم على مواقع الحكم في بلديهما، لاعتبارات الاستراتيجية العليا لأمن بلديهما، وخدمة مصالحها الخارجية.
المشكلة ليست في ملء الفراغ العسكري والأمني والاستخباراتي والاستراتيجي الذي يتركه البريطانيون وراءهم، إذا ما قرروا الخروج من العراق، بقدر ما تكمن في مصير جنوب العراق، إذا ما خرج البريطانيون منه. الأمريكيون، لفترة قصيرة قد يضطرون لملء هذا الفراغ، ولكن سيواجهون بمشكلة الاتجاه نحو خفض القوات في نهاية العام القادم. كذلك، فإن الأمريكيين لن يجدهم حلف شمال الأطلسي، في هذه المهمة. الحلف، ينوء الآن بثقل وجوده في أفغانستان وينفرط عقده، يوماً بعد يوم، بانسحاب قوات من الحلف راجعت دولها «الحكمة» من وراء الانسياق خلف استراتيجية الهيمنة الأمريكية.
قيادة القوة البريطانية في البصرة يتعرض مقرها، لأكثر من 60 هجوماً صاروخياً، بصورة يومية، من المسلحين الذين يلقون دعماً لوجستياً مباشراً وسخياً من إيران، أكبر القوى الإقليمية ترشحاً لملء فراغ البريطانيين العسكري، متى انسحبوا من جنوب العراق. هذا ما يثير قلق الأمريكيين، الذين يتحسبون لتعرض خط إمداداتهم لقواتهم في وسط العراق من الكويت، لإزعاجات متكررة، بل وحتى احتمال الانقطاع. وإذا تمكنت إيران من جنوب العراق، فإن جزءاً كبيراً من الاستراتيجية الأمريكية سيتضرر، خصوصاً ذلك الذي له علاقة بالنفط، وخطط الوجود الأمريكي في المنطقة.
بريطانيا في النهاية لن تلتفت لأي انتقاد أمريكي لقرار انسحابها من العراق، كما لا يعنيها مصير حليفها الرئيسي في المنطقة، ولا حسابات الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة. خروج توني بلير من عشرة دواننغ ستريت، ومجيء غوردن بروان بدلاً عنه جاء في إطار إصلاح الضرر الذي ألحقه قرار بلير بموافقة ومرافقة الرئيس بوش في قرار غزو العراق، لحزب العمال البريطاني. آلية يتفوق من خلال حركتها النظام البرلماني البريطاني على النظام الرئاسي الأمريكي، من حيث إمكانية استبدال الزعامات، بالتبعية السياسات من داخل الأحزاب الحاكمة، دون ما حاجة إلى خوض انتخابات مستحقة لتحديد مصير الأحزاب المتنافسة على السلطة في مؤسسات الحكم. انتقال السلطة المرن والسلس من داخل الحزب من بلير إلى بروان، يستحيل تصور حدوثه في النظام السياسي الأمريكي، إلا من خلال منافسة حزبية عريضة يتدخل فيها الناخب الأمريكي، بصورة مباشرة وحاسمة.
هذا التمايز في حركة النظامين البريطاني والأمريكي، ينعكس، بصورة قوية على سلوك حركة سياستهما الخارجية، بالرغم من فرضية التجانس الكبير بين أهداف واستراتيجيات سياستهما الخارجية. ملاحظة تستحق التدبر في تبعاتها لفهم السياسة الخارجية لأمريكا وبريطانيا.