مع الفجر
حمد القاضي والتاريخ الثقافي
.. أربعون عاماً مضت على أول لقاء لي بالأستاذ حمد القاضي عندما دخل عليّ في مكتبي في «عكاظ» مرتفقاً صديقه الأستاذ عبدالله الماجد، ويأتي الأستاذ الكبير محمد حسين زيدان كعادته اليومية فلا يكاد يراه حتى يخبط كفيه ببعضهما ويقول: لقد ألقت إليكم نجد بفلذة كبدها. وتمضي الأيام والأعوام لترسخ المعرفة، وتحولها إلى صداقة وزمالة حرف في ميدان الإعلام الذي أصبح الأستاذ حمد القاضي من أعلامه. ولئن ودع الأستاذ القاضي «المجلة العربية» من بعد ما تولى رئاسة تحريرها أكثر من ربع قرن، فإنه يكفيه فخراً أنه استطاع أن يرقى بها إلى مقدمة المجلات الثقافية التي تثري قارئها بكل ممتع ومفيد، كما شهد بذلك أعلام أهل الرأي والفكر.
فهذا شيخنا معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر يكتب في «الجزيرة» بتاريخ 17/7/1428هـ «قصة» تحكي العلاقة بين الأستاذ القاضي والمجلة، التي يقول الخويطر بلسان حالها: «أزف عند نهاية كل شهر إلى جمهورنا الحبيب بثوب جديد قشيب، نؤمل أن يعجبهم، وأن يجدوا فيه بغيتهم، وحينئذ يبتسم ثغر ولي أمري، وينير وجهه إذ يراني قد وصلت إلى بر السلام بعد رحلة شهر كاملة، أمر على رياض منيرة أقطف لجمهورنا من هذه الروضة زهرة، ومن تلك الشجرة وردة، وتأتينا من الفواكه اللذيذة من بعض من يرفدنا في حياتنا غذاء للعقول نقدم على طبق من بلور ما استطعنا».
ويكتب معالي الدكتور غازي القصيبي الذي أصابه الهلع عندما طلب منه الشيخ الخويطر أن يقرأ «قصة من تأليفه» في الجزيرة، إذ يقول فيما تضمنته الرسالة التي وجهها للأستاذ القاضي على صفحات الجزيرة بتاريخ 28/7/1428هـ:
«وهكذا عرفت، أيها الأخ الحبيب، أن فارس «المجلة العربية ترجّل».. وطوبى لمن يترجل قبل أن تعثر فرسه به أو يعثر هو بها، وقانا الله شر هذا المصير. لا أتصور المجلة العربية بدونك- ومع ذلك أنا أدرك أن الحياة تسير في دورتها المعتادة بوجوه جديدة وأفكار جديدة، أحياناً، إلا أن ذهني -وهو يتمرد عليّ عندما يشاء- لا يزال يصر على ربط المجلة العربية.. بحمد القاضي. وأود أن أهنئك بالخروج سالماً غانماً بذكرى عطرة ومنجزات عديدة.. وأحباء لا يحصيهم العد».
ويكتب الدكتور حسن بن فهد الهويمل الذي فوجئ بخبر تنحي الأستاذ حمد القاضي عن رئاسة تحرير المجلة العربية فيقول فيما كتب بالجزيرة بتاريخ الثلاثاء 17/7/1428هـ:
«إن زمناً قضاه القاضي في المجلة وأعمالاً جليلة أنجزها لا تفي كلمات عابرة بحقه، والمجلة بما أنجزته تشكل مرحلة أدبية من حقها على المؤرخين والدارسين للحركة الأدبية في المملكة أن يعيدوا قراءتها وأن يحللوا منهجها وأسلوب أدائها وأثرها في المشهد الأدبي». فماذا عساني أن أقول بعد هذا الذي سردت بعضاً مما كتبه الأعلام؟ إنني في الواقع لا أجد ما أختم به سطوري المتواضعة أبلغ ولا أروع مما ختم به أخي الأستاذ خالد حمد السليمان مقالته بـ«عكاظ» يوم الاثنين 16/7/1428هـ: ربما نكون خسرنا حمد القاضي في المجلة العربية كربان لدفتها، ولكننا مازلنا نملكه سيداً للكلمة المكتوبة من خلال مقالاته ومؤلفاته وفارساً للكلمة المسموعة من خلال محاضراته وندواته ومشاركاته في المناسبات الثقافية والأدبية. ولعل عزاءنا هو أن فارساً آخر لا يقل عنه فروسية ونبلاً وتألقاً يخلفه، فالدكتور عبدالعزيز السبيل يملك من الرقي الإنساني والوعي الثقافي والاحتراف المهني ما يمكنه من مواصلة التحليق بالمجلة العربية في سماء الثقافة العربية لتبقى دائماً ذلك الطبق لا يغيب عن مائدة العقل العربي.
أضف تعليقك